1 -لقد سبق الكلام عن الروايات التي ذكرت في طلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- لسودة أو همه بطلاقها، وبيَّنا عدم ثبوتها، ووجهناها على فرض صحتها، وبينا كذلك الرأي الصحيح في تاريخ وفاة السيدة سودة -رضي الله عنها-؛ وبه يزول التساؤل الذي وضع: لماذا طلق النبي -صلى الله عليه وسلم- سودة، أو لماذا هم بطلاقها؟ ولكن بقيت بعض الروايات التي أوهمت القوم بسبب طلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- لسودة؛ حيث فهموا منها أنها صفات جعلت سودة غير مرغوب فيها، ولذلك طلقها النبي -صلى الله عليه وسلم- أو هم بطلاقها.
الرواية الأولى: صفتا الحدة والحسد اللتان وصفتها عائشة بهما، وهل ذلك يعني طعنًا جديدًا جاء على لسان عائشة، يضاف إلى لسائر الصفات السيئة التي اتصفت بها سودة؟
أما وصفها بالحدة فقد روت عائشة قالت: ما رأيت امرأة أحب إلى أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة؛ مِنْ امرأة فيها حدة، قالت: فلما كبرت جعلت يومها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعائشة، قالت: يا رسول الله، قد جعلت يومي منك لعائشة، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة.
والرد على ذلك من وجوه: الوجه الأول: سياق الحديث بتمامه يدل على أن عائشة تمدحها لا تذمها؛ وهذا وأضح، فإنها تتمنى أن تكون هي وسودة في جلد واحد؛ أي: امرأة واحدة، وهذا لا شك من حسن صنيع سودة في عين عائشة، فكيف تكون هذه صفة ذم لسودة ولعائشة حيث ذمت سودة؟!
الوجه الثاني: وقولها: فيها حدة لم تُرِدْ به عائشةُ عيبَ سودة بذلك؛ بل وصفتها بقوة النفس وجودة القريحة؛ وهي الحدة.
ويبين هذا المعنى تمام الحديث، حيث جادت لها بليلتها، وهذا لا تقوى عليه إلا النفوس القوية الكريمة.
الوجه الثالث: ويحتمل أن يكون المراد: حدة، أي: صحة، وقوة، وسلامة، عقل، ورأي، فعند ذلك تمنت عائشة أن تكون هي وسودة امرأة واحدة، فلما كبرت سودة فعلت أمرًا أشبه ما تمنته عائشة، حيث وهبت ليلتها لعائشة. والله أعلم.