فالمحمود ما قاد صاحبه إلى كل خير وكفه عن الشر ووقف فيه الإنسان عند حدود الله تعالى.
والمذموم ما حمل صاحبه على تعدي حدود الله تعالى، وتسبب في سوء الظن أو قام عليه، ومن الفطري غيرة المرأة على زوجها وقد كرمها الإسلام بأن قبل منها ذلك وعذرها عليه، ولكنه لم يأذن لها في تخطي الحدود بسبب هذا النوع من الغيرة حتى لو كان فطريًا.
قال ابن أبي حجلة في ديوان الصبابة: هذا باب عقدناه لذكر غيرة المحب على المحبوب حتى من نفسه وأبناء جنسه، والمحبون فيها نوعان، والمضروبون بسوطها ضربان: فالأول يحبه الله ورسوله ويتم به للمحب رسوله، والثاني مذموم وصاحبه ملوم، فالنوع المحبوب منها أن يغار عند قيام الريبة، والنوع المذموم أن يغار من غير ريبة؛ بل من مجرد سوء الظن، وهذه الغيرة تفسد المحبة ولا تترك منها حبة؛ لأنها توقع العداوة بين المحب والمحبوب، وربما حملته على الوقوع فيما اتهمه به ويترتب عليها مفاسد كثيرة مما يؤدي إلى فساد الصورة والحكايات في هذا الباب مشهورة.
وقال عبد الله بن شداد: الغيرة غيرتان؛ غيرة يصلح بها الرجل أهله، وغيرة تدخل النار.
وقال ابن القيم: وأما الغيرة على المحبوب فإنما تحمد حيث يحمد الاختصاص بالمحبوب ويذم الاشتراك فيه شرعًا وعقلًا؛ كغيرة الإنسان على زوجته، وأمته، والشيء الذي يختص هو به، فيغار من تعرض غيره لذكره ومشاركته له فيه، وهذه الغيرة تختص
بالمخلوق ولا تتصور في حق الخالق، بل المحب لربه يحب أن الناس كلهم يحبونه، ويذكرونه، ويعبدونه، ويحمدونه، ولا شيء أقر لعينه من ذلك بل هو يدعو إلى ذلك بقوله وعمله. وفي الصحيحين أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال في خطبة الكسوف:"والله يا أمة محمد ما أحدٌ أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته".
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"ليس شيء أغير من الله؛ من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله؛ من أجل ذلك أثنى على نفسه، ولا أحد أحاب إليه العذر من الله؛ من أجل ذلك أرسل الرسل".