سادسًا: أن الله تعالى قد شهد ببراءة عائشة - رضي الله عنها - وبكذب كل من رماها، فقد حصلت فائدة الحد، إذ مقصوده إظهار كذب القاذف وبراءة المقذوف، كما قال الله تعالى: {فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} . وإنما حد هؤلاء المسلمون ليكفر عنهم إثم ما
صدر عنهم من القذف حتى لا يبقى عليهم تبعة من ذلك في الآخرة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في الحدود إنها كفارة لمن أقيمت عليه، كما في حديث عبادة بن الصامت.
ثامنًا: وقيل: يحتمل أنه تركه احترامًا لابنه - رضي الله عنه -. فقد كان من فضلاء الصحابة - رضي الله عنهم -.
تاسعًا: وأما قوله: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لايستطيع قتله، فهذا خطأ. ويكفي في ذلك وجهين:
الأول: أنه كان منافقا أظهر الإسلام خوفًا. ولو كان عنده نفوذ وقوة لما احتاج إلى ذلك.
الثاني: أنه كان لابن أبيّ ولد مؤمن مخلص يسمي عبد الله بن عبد الله بن أبيّ بن سلول. وقد قال مرة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ الله، إنّهُ بَلَغَنِي أَنَّك تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ الله بْنِ أُبَيّ فِيمَا بَلَغَك عَنْهُ فَإِنْ كُنْت لَا بُدّ فَاعِلًا فَمُرْني بِهِ فَأَنَا أَحْمِلُ إلَيْك رَأْسَهُ، فَوَالله لَقَدْ عَلِمَتْ الْخَزْرَجُ مَا كَانَ لَهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرّ بِوَالِدِهِ مِنّي، وَإِنّي أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيقْتُلَهُ فَلَا تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْظُرُ إلَى قَاتِلِ عَبْدِ الله بْنِ أُبَيّ يَمْشِي فِي النّاسِ فَأَقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ رَجُلًا مُؤْمِنًا بِكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النّارَ. فَقَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم:"بَلْ نَتَرَفّقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَته مَا بَقِيَ مَعَنَا".
لقد ضرب هذا الابن أروع المثل في الإيمان والتضحية بعاطفة الأبوة فقابله - صلى الله عليه وسلم - صاحب القلب الكبير والخلق العظيم بمثل رفيع في العفو والرحمة وحسن الصحبة. فقد تلطف النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الصحابي الجليل، وهدأ من روعه وأذهب هواجسه.