ولكن فضل اللّه سبحانه وتعالى على المؤمنين ، وإحسانه إليهم ، قد اتسع لهؤلاء المذنبين ، فشملهم .. وبدلا من أن يقع البلاء بالمذنبين ، ويتسرب إلى غيرهم من المؤمنين ، أراد اللّه للمؤمنين الحسنى ، فجعل إحسانه إلى المؤمنين ، وقاية من إساءة المسيئين ، ثم جعل من هذا الإحسان شيئا ينال الآثمين ، فلم يعجّل لهم العذاب فِي الدنيا ، بل مدّ لهم فِي هذه الحياة ، ليجدوا فرصتهم فِي التوبة إلى اللّه ، وقد تاب كثير منهم ، وقبلت توبتهم ، وحسن إيمانهم ..
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ » ..
قوله تعالى: « إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ » .
تلقونه بألسنتكم: أي يلقيه بعضكم إلى بعض ، وتتداوله الألسنة ، كما تتداوله الأيدى الأشياء فيما بينها! وهذا يعني ، أن حديث الإفك الذي تداوله المتداولون بينهم ، لم يكن إلا بضاعة رخيصة من لغو الكلام ، الذي تتحرك به الألسنة وحدها ، دون أن يكون له دافع من عقل أو رأى .. إنه حركة آلية ، لا يشترك فيها من كيان الإنسان إلّا اللسان .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ » - أي أن هذا الحديث المدار بينكم فِي هذا الأمر ، هو حديث ألسنة ، لا تنطق عن علم ، ولا تأخذ عن عقل ، أو منطق .. إنه حديث لسان يأخذ عن لسان ، حتى دون أن يمر على الأذن! « إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ » .