فاستيقظت باسترجاعه حتى عرفني. فخمرت وجهى بجلبابي، والله ما كلمني كلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حين أناخ راحلته، فوطئ على يديها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة. حتى أتينا الجيش، بعد ما نزلوا في نحو الظهيرة. فهلك من هلك في شأنى، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبى بن سلول .. ».
وقد افتتحت هذه الآيات الكريمة بقوله - تعالى -: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ.
والإفك: أشنع الكذب وأفحشه، يقال أفك فلان - كضرب وعلم - أفكا وإفكا، أي:
كذب كذبا قبيحا.
والعصبة: الجماعة من العشرة إلى الأربعين، من العصب وهو الشد، لأن كل واحد منها يشد الآخر ويؤازره.
أي: إن الذين قالوا ما قالوا من كذب قبيح، وبهتان شنيع، على السيدة عائشة - رضي الله عنها - هم جماعة ينتسبون إليكم - أيها المسلمون - بعضهم قد استزلهم الشيطان. -
كمسطح بن أثاثة - وبعضهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والنفاق - كعبد الله بن أبى بن سلول - وأتباعه.
وفي التعبير بقوله - تعالى - عُصْبَةٌ: إشعار بأنهم جماعة لها أهدافها الخبيثة، التي
تواطئوا على نشرها، وتكاتفوا على إشاعتها، بمكر وسوء نية.
وقوله - سبحانه -: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ .. تسلية للنبي صلى الله عليه وسلّم ولأصحابه المؤمنين الصادقين، عما أصابهم من هم وغم بسبب هذا الحديث البالغ نهاية دركات الكذب والقبح.
أي: لا تظنوا - أيها المؤمنون - أن حديث الإفك هذا هو شر لكم، بل هو خير لكم، لأنه كشف عن قوى الإيمان من ضعيفه. كما فضح حقيقة المنافقين وأظهر ما يضمرونه من سوء للنبي صلّى الله عليه وسلّم ولأهل بيته، وللمؤمنين، كما أنكم قد نلتم بصبركم عليه وتكذيبكم له أرفع الدرجات عند الله تعالى.
ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء الخائضين في حديث الإفك من عقاب فقال: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ.
أي لكل واحد من هؤلاء الذين اشتركوا في إشاعة حديث الإفك العقاب الذي يستحقه بسبب ما وقع فيه من آثام، وما اقترفه من سيئات.