يخرجه عن المعهود منه الذي هو الإيمان إلا الردة، ونهى المؤمنون عن التحسس
والتجسس، فمتى اتفق أربعة رجال عدول عثروا على زانيين والفرج في الفرج،
وعاين كل واحد منهم ذلك عيانًا، لا يشك في المشاهدة توجه عليهم أداء الشهادة
عند السلطان إن حضر رافع يرفعها إليه سواهم، وإلا كانوا في موضع الحاجة إلى
من يشهد لهم بتحقق ما رفعوه وذكروه عنهما، هكذا هي حرمة المؤمن من
حيث هو مؤمن، يقول الله - جل من قائل: (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ
يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) .
قوله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ...(14)
أعلمهم - جل ذكره - بسابقة ما سبق لهم في القدم من فضله ورحمته، لولا ذلك
لأصابهم مثل ما أصاب به الذي تولى كبره منهم، قيل: هو عبد الله بن أبي بن
سلول المنافق، وعطف بالواو في قوله: (وَلَوْلَا) في هذه الآية، وفي التي نزلت
في المتلاعنين، المراد بالواو العاطفة فيهما: عطف الحكم منه فيهم على الحكم
الذي جعله بين العباد بعضهم مع بعض.
يقول - جلَّ قوله وتعالى جده - يخاطب المؤمنين: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ
وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ... (15) ."إذ"هنا منتظمة بإصابته إياهم بعذابه
لولا رحمته لهم وفضله عليهم، ثم قال: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ)
أعلم - جلَّ ذكره - أن أحدًا لا يأخذ في عرض أخيه إلا عن جهل بقدر
ما أتاه من ذلك، والمؤمن حرمة من حرمات الله تعالى فذلك عنده عظيم.
يقول - عز وجل -: (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا ...(16) . هلا تورعتم
عن التورط في مثل هذه العظيمة؛ إذ جهلتم مقدارها، قوله تعاليْ(سُبْحَانَكَ هَذَا
بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)سبحانه وله الحمد في السماوات والأرض، كما قال في
شأنه العلي الكبير: (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) مولى القوم منهم،