وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {كِبْرَهُ} فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: {كِبْرَهُ} بِكَسْرِ الْكَافِ، سِوَى حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ , فَإِنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ: «كُبْرَهُ» بِمَعْنَى: وَالَّذِي تَحَمَّلَ أَكْبَرَهُ
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ: الْقِرَاءَةُ الَّتِي عَلَيْهَا عَوَامُّ الْقُرَّاءِ، وَهِيَ كَسْرُ الْكَافِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا، وَأَنَّ الْكِبْرَ بِالْكَسْرِ: مَصْدَرُ الْكَبِيرِ مِنَ الْأُمُورِ، وَأَنَّ الْكُبْرَ بِضَمِّ الْكَافِ: إِنَّمَا هُوَ مِنَ الْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: هُوَ كِبْرُ قَوْمِهِ؛ وَالْكِبْرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: هُوَ مَا وَصَفْنَاهُ مِنْ مُعْظَمِ الْإِثْمِ وَالْإِفْكِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَالْكَسْرُ فِي كَافِهِ هُوَ الْكَلَامُ الْفَصِيحُ دُونَ ضَمِّهَا، وَإِنْ كَانَ لِضَمِّهَا وَجْهٌ مَفْهُومٌ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ} . الْآيَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ
عَنْ عَامِرٍ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ:"مَا سَمِعْتُ بِشَيْءٍ أَحْسَنَ مِنْ شِعْرِ حَسَّانَ، وَمَا تَمَثَّلْتُ بِهِ إِلَّا رَجَوْتُ لَهُ الْجَنَّةَ، قَوْلُهُ لِأَبِي سُفْيَانَ:"
[البحر الوافر]
هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ ... وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي ... لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
أَتَشْتُمُهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ؟ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَيْبَ فِيهِ ... وَبَحْرِي لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ
فَقِيلَ: يَا أُم الْمُؤْمِنِينَ، أَلَيْسَ هَذَا لَغْوًا؟ قَالَتْ؛ لَا، إِنَّمَا اللَّغْوُ مَا قِيلَ عِنْدَ النِّسَاءِ. قِيلَ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} قَالَتْ: أَلَيْسَ قَدْ أَصَابَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ؟ أَلَيْسَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ , وَكُنِّعَ بِالسَّيْفِ؟""