والحكم الذي يؤخذ من القول عُرْضة لأن نتمحك فيه ونقف أمامه نُقلّب ألفاظه أو نؤوله ، أمّا إنْ أُخِذ الحكم من فعل المشرع ، فليس فيه شكٌّ أو تمحُّك ، وليس قابلاً للتأويل لأنه فعل ، وقد فعل الرسول ورجم الزاني والزانية المحصنين في قصة ماعز والغامدية ، لأنه مفوض من الله .
ولا بد أن نفرق بين الحدَّيْن ، ففي حَدِّ الأمة إنْ زنت يقول تعالى: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب . .} [النساء: 25] البعض فَهِم من الآية أنها تشمل حدَّيْ الرَّجْم والجَلْد ، فقالوا: في الجلد يمكن أن تجلد خمسين جلده ، لكن كيف نجزيء الرجم؟ وما دام الرجم لا يُجَزَّأ فليس عليها رجم .
ولو تأمل هؤلاء نصَّ الآية لخرجوا من هذا الخلاف ، فالحق سبحانه وتعالى لم يقل {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات . .} [النساء: 25] وسكت ، إنما قال {مِنَ العذاب . .} [النساء: 25] فخصَّ بذلك حدَّ الجلد ؛ لأن العذاب إيلام حَيٍّ ، أمَّا الرجم فهو إزهاق حياة ، فهما متقابلان .
أَلاَ ترى قول القرآن في قصة سليمان عليه السلام والهدهد: {لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ . .} [النمل: 21] فالعذاب غير الذبح .
إذن: تجزئة الحد في الجَلْد فقط ، أمّا الرَّجم فلا يُجزَّأ ، فإنْ زنتِ الأَمَة المحصنة رُجِمَتْ .
وقوله تعالى: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر . .} [النور: 2] هذا كلام مُوجِع ، وإهاجة لجماعة المؤمنين ، فهذا هو الحكم ، وهذا هو الحدُّ قد شرعه الله ، فإن كنتم مؤمنين بالله وبالحساب والعقاب فطبِّقوا شَرْع الله ، وإلاَّ فراجعوا إيمانكم بالله وباليوم الآخر لأننا نشكُّ في صِدْق هذا الإيمان .
وكأن الحق - تبارك وتعالى - يهيجنا ويثيرنا على أهل هذه الجريمة ، لنأخذ على أيديهم ونُخوِّفهم بما شرع الله من الحدود .