فالمعنى: أنْ كنتم تؤمنون بالله إلهاً حكيماً مشرعاً ، خلق خَلْقاً ، ويريد أن يحمي خَلْقه ويُطهره ليكون أهلاً لخلافته في الأرض الخلافة الحقة ، فاتركوا الخالق يتصرف في كونه وفي خَلْقه على مراده عَزَّ وجَلَّ ، فالخَلْق ليس خَلْقكم لتتدخلوا فيه .
ثم يقول تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين} [النور: 2] فالأمر لا يقف عند حدِّ التعذيب والجَلْد ، إنما لا بُدَّ أن يشهد هذا العذاب جماعة من المؤمنين ، والطائفة هم الجماعة وأقلها أربعة لماذا؟ قالوا: لأن النفس قد تتحمّل الإهانة إنْ كانت سِراً لا يطَّلع عليها أحد ، فلا يؤلمه أنْ تُعذِّبه أشدَّ العذاب بينك وبينه ، إنما لا يتحمل أن تشتمه أمام الناس . إذن: فمشاهدة الحدِّ إهانة لصاحبه ، وهي أيضاً زَجْر للمشاهد ، ونموذج عمليٌّ رادع .
لذلك يقولون: الحدود زواجر وجوابر ، زواجر لمن شاهدها أي: تزجره عن ارتكاب ما يستوجب هذا الحدَّ ، وجوابر لصاحب الحد تجبر ذنبه وتُسقط عنه عقوبة الآخرة ، فلا يمكن أن يستوي مَنْ أقر وأقيم عليه الحد بمَنْ لم يقر ، ولأن الزنا لم يثبت بشهود أبداً ، وإنما بإقرار ، وهذا دليل على أن الحكم صحيح في ذِهْنه ، ويرى أن فضوح الدنيا وعذابها أهونُ من فضوح الآخرة وعذابها ، إلا لما أقر على نفسه .
فالمسألة يقين وإيمان ثابت بالقيامة وبالبعث والحساب ، والعقوبة اليوم أهون ، وإنْ كان الزنا يثبت بالشهود فلربما دلَّسُوا ، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتيه الرجل مُقرّاً بالزنا فيقول له:"لعلك قبَّلْتَ ، لعلك غمزْتَ ، لعلك لمسْت"يعني: لم تصل إلى الحد الذي يسمى زنا ، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدرأ الحدَّ بالشبهة .