أحدهما: أن يكون دليلاً على بطلان أحد المعنيين، فيسقط حكمهن ويصير
المعنى الآخر هو المراد، وحكمه هو الثابت.
والضرب الثاني: أن يكون دليلاً على صحة أحد المعنيين فيثبت حكمه
ويكون مراداً ولا يقتضي سقوط المعنى الآخر، ويجوز أن يكون مراداً، وإن لم
يكن عليه دليل، لأن موجب لفظه دليل، فاستويا فِي حكم اللفظ، وإن ترجح
أحدهما بدليل، فصارا مرادين معاً.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن المعنى الذي يرجح بدليل أثبت حكماً من
المعنى الذي تجرد عنه ولقوته بالدليل الذي ترجح به، فهذا أصل يعتبر [من]
وجود التفسير، ليكون ما احتمله ألفاظ القرآن من اختلاف المعاني محمولاً عليه،
فيعلم ما يؤخذ به ويعدل عنه.
فإن قيل: فقد ورد الخبر بما يخالف هذا الأصل المقرر، وهو ما روي عن
النبي (صلى الله عليه وسلم) ، أنه قال:"ما نزل القرآن من آية إلا لها ظهر وبطن ولكل حرف"
حد ولكل حد مطلع"قيل ليس هذا الحديث - مع كونه من أخبار الآحاد -"
منافيا لما قررناه من الأصول المستمرة، لما فيه من التأويلات المختلفة.
أما قوله:"ما نزل من القرآن من آية إلا لها ظهر وبطن"ففيه أربعة
تأويلات:
أحدها: معناه أنك إذا فتشت عن باطنها وقسته على ظاهرها، وقفت على
معناها، وهو قول الحسن.
والثاني: يعني أن القصص ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين، وباطنها عظة
للآخرين، وهذا قول أبي عبيد.
والثالث: معناه ما من آية إلا وقد عمل بها قوم، ولها قوم سيعملون بها،
وهذا قول ابن مسعود.
والرابع: يعني أن ظاهرها لفظها، وباطنها تأويلها، وهذا قول الجاحظ.
وأما قوله:"ولكل حرف حد"ففيه تأويلان:
أحدهما: معناه أن لكل لفظ منتهى، فيما أراده الله تعالى من عباده.
والثاني: أن لكل حكم مقدارا من الثواب والعقاب.
وأما قوله:"ولكل حد مطلع"ففيه تأويلان:
أحدهما: معناه ولكل غامض من الأحكام مطلع يوصل منه إلى معرفته،
ويوقف منه على المراد به.
والثاني: معناه أن كل ما استحقه من الثواب والعقاب سيطلع عليه فِي الآخرة ويراه عند المجازاة. انتهى انتهى. {النكت والعيون حـ 1 صـ 23 - 42}