وَأَفْضَلُ هَذِهِ الْوُجُوهِ سَبْقُ الصِّفَاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصحيح: (نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ من بعد هم فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ فَالْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ) .
فَأَخْبَرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَنْ سَبَقْنَا مِنَ الْأُمَمِ بِالزَّمَانِ سَبَقْنَاهُمْ بِالْإِيمَانِ وَالِامْتِثَالِ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالِانْقِيَادِ إِلَيْهِ، وَالِاسْتِسْلَامِ لِأَمْرِهِ والرضا
بِتَكْلِيفِهِ وَالِاحْتِمَالِ لِوَظَائِفِهِ، لَا نَعْتَرِضُ عَلَيْهِ وَلَا نَخْتَارُ مَعَهُ، وَلَا نُبَدِّلُ بِالرَّأْيِ شَرِيعَتَهُ كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ لِمَا قَضَاهُ، وَبِتَيْسِيرِهِ لِمَا يَرْضَاهُ، وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ.
* قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادَ: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَفْضِيلَ السَّابِقِينَ إِلَى كُلِّ مَنْقَبَةٍ مِنْ مَنَاقِبِ الشَّرِيعَةِ، فِي عِلْمٍ أَوْ دِينٍ أَوْ شَجَاعَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، مِنَ الْعَطَاءِ فِي الْمَالِ وَالرُّتْبَةِ فِي الْإِكْرَامِ.
وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْضِيلِ السَّابِقِينَ بِالْعَطَاءِ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُفَضِّلُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْعَطَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِحَسَبِ السَّابِقَةِ.
وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لَهُ: أَتَجْعَلُ ذَا السَّابِقَةِ كَمَنْ لَا سَابِقَةَ لَهُ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا عَمِلُوا لِلَّهِ واجر هم عَلَيْهِ.
وَكَانَ عُمَرُ يُفَضِّلُ فِي خِلَافَتِهِ، ثُمَّ قَالَ عِنْدَ وَفَاتِهِ: لَئِنْ عِشْتُ إِلَى غَدٍ لَأُلْحِقَنَّ أَسْفَلَ النَّاسِ بِأَعْلَاهُمْ، فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ.
وَالْخِلَافَةُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ)