* «فَإِنْ قِيلَ» : فَقَدْ أَثْبَتَ الْإِيمَانَ فِي الْآيَةِ لِمَنْ عَمَرَ الْمَسَاجِدَ بِالصَّلَاةِ فِيهَا، وَتَنْظِيفِهَا وَإِصْلَاحِ مَا وَهَى مِنْهَا، وَآمَنَ بِاللَّهِ.
وَلَمْ يَذْكُرِ الْإِيمَانَ بِالرَّسُولِ فِيهَا وَلَا إِيمَانَ لِمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالرَّسُولِ.
قِيلَ لَهُ: دَلَّ عَلَى الرَّسُولِ مَا ذُكِرَ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّهُ مِمَّا جَاءَ بِهِ، فَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ إِنَّمَا يَصِحُّ مِنَ الْمُؤْمِنِ بِالرَّسُولِ، فَلِهَذَا لَمْ يُفْرِدْهُ بِالذِّكْرِ.
وَ (عَسَى) مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ.
وَقِيلَ: عَسَى بِمَعْنَى خَلِيقٌ أي فخليق (أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا ...(28)
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ، خَاصَّةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِ غَيْرِهِ، فَأَبَاحَ دُخُولَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا جُمُودٌ مِنْهُ عَلَى الظَّاهِرِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) تَنْبِيهٌ عَلَى الْعِلَّةِ بِالشِّرْكِ وَالنَّجَاسَةِ.
«فَإِنْ قِيلَ» : فَقَدْ رَبَطَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَامَةَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُشْرِكٌ.
قِيلَ لَهُ: أَجَابَ عُلَمَاؤُنَا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ - وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا - بِأَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى نُزُولِ الْآيَةِ.
الثَّانِي - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَدْ عَلِمَ بِإِسْلَامِهِ فَلِذَلِكَ رَبَطَهُ.
الثَّالِثُ - أَنَّ ذَلِكَ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُدْفَعَ بِهَا الْأَدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، لِكَوْنِهَا مُقَيِّدَةً حُكْمَ الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ.