وليس من هذا الباب قوله عز وجل: {إن تكونوا صالحين} - أي في معاملة الأبوين - {فإنه كان للأوابين غفورا} . وقوله: {قل من كان عدوا لجبريل} إلى قوله {فإن الله عدو للكافرين} . وكذلك كل ما فيه شرط، فإن الشروط أسباب، ولا يكون إحسان الولد إلى الوالدين سببًا في غفران الله لكل تائب. لأنه يلزم أن يثاب غير الفاعل بفعل غيره. وهو خلال الواقع. وكذلك معاداة بعض الكفر لا يكون سببًا لعداوة الله عز وجل لكل كافر، فيتعين في هذه المواضع أن يكون من باب
إقامة الظاهر مقام المضمر ليس إلا.
فائدة: يعبر بالأمر عن الخبر. نحو قوله عز وجل: {فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا} (9: 82)
أي: هم يضحكون في الدنيا قليلاً، ويبكون في الآخرة كثيرًا.
وبالخبر عن الأمر، نحو قوله: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} . أي: مروا بالعدل والإحسان ونحو {والمطلقات يتربصن} .
أما الأول: فلأنه يدل على [أن] المخبر، له في ذلك المخبر عنه، إرادة وغرض، فيكون أبلغ في التهديد، لأن العبد إذا علم أن شيئًا ما يقع من العقوبات، وللسيد فيه غرض كان انزجاره أعظم، مما إذا لم يكن له فيه غرض. وتصحيح المجاز، هو أن الأمر هاهنا استعمل في الإهانة، لأن المهين للشخص، مريد لإهانته، فتجوز عن الأمر إلى الإرادة لأنها من لوازمه، وهي من لوازم الإهانة، فهو مجاز المجاز.
وأما الثاني: فلأنه يدل على توكيد الطلب، لأن المخبر عنه واقع، أو الخبر واقع والمأمور به ليس واقعًا، إذ لا يتعلق إلا بالمستقبل، فوصفه بالوقوع يدل على أنه لا بد من تحققه كالواقع.
قوله عز وجل: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه} ... (9: 108) .
فيه سؤالان:
الأول: كيف يصح البناء على التقوى؟
الثاني: لم لا يعدل عن"أسس"إلى"بُنِي"؟
جواب الأول: أن السبب يترتب على المسبب، كما يترتب البناء على أسه، فهو من مجاز التشبيه.