أجيب: بأنَّ صيغة الفعل تدل على تجدده ساعة بعد ساعة وكان نوح يدعو قومه ليلاً ونهاراً كما أخبر الله تعالى عنه بقوله: {رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً} (نوح: 5)
فلما كان ذلك من عادته ذكره بصيغة الفعل فقال: {وَأَنصَحُ لَكُمْ} وأمّا هود فلم يكن كذلك بل كان يدعوهم وقتاً دون وقت فلهذا قال: {وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} .
«فَإِنْ قِيلَ» : مدح الذات بأعظم صفات المدح غير لائق بالعقلاء؟
أجيب: بأنه فعل هود ذلك لأنه كان يجب عليه إعلام قومه بذلك ومقصوده الرد عليهم في قولهم: {وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} فوصف نفسه بالأمانة وأنه أمين في تبليغ ما أرسل به من عند الله وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه في موضع الضرورة إلى مدحها.
تنبيه: في إجابة الأنبياء الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا والإعراض عن مقالتهم كمال النصح والشفقة وهضم النفس وحسن المجادلة وهكذا ينبغي لكل ناصح.
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ}
{قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ} أي: معجزة تدلّ على صدق ما جئت به {مِّن رَّبِّكُمْ} أوجبت عليكم الإيمان بي والأخذ بما آمركم به.
«فَإِنْ قِيلَ» : ما كانت معجزته إذ لم تذكر له معجزة؟