فإنّه رافع لاحتمال أن تكون تلك العشرة من غير مواعدة. قال ابن عسكر: وفائدة الوعد بثلاثين أوّلا، ثم بعشر، ليتجدّد له قرب انقضاء المواعدة، ويكون فيه متأهّبا مجتمع الرأي، حاضر الذهن لأنه لو وعد بالأربعين أولا كانت متساوية، فلمّا فصلت استشعرت النفس قرب التمام، وتجدّد بذلك عزم لم يتقدم.
{فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) }
(وضع الظاهر موضع المضمر)
ومنها: قصد التوصّل من الظاهر إلى الوصف: ومنه: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} بعد قوله {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ}
لم يقل: (فأمنوا بالله وبي) ليتمكّن من إجراء الصفات التي ذكرها، وليعلم أنّ الذي وجب الإيمان به والاتباع له هو من وصف بهذه الصفات، ولو أتى بالضمير لم يمكن ذلك، لأنه لا يوصف.
(فائدة)
{إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} إلى قوله: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} والأصل: (وبي) ، وعدل عنه لنكتتين: إحداهما: دفع التهمة عن نفسه بالعصبيّة لها، والأخرى: تنبيههم على استحقاقه الاتّباع بما اتصف به من الصفات المذكورة والخصائص المتلوّة.
{وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ (170) }
فإنّ إقامتها من جملة التمسّك بالكتاب، وخصّت بالذكر إظهارا لمرتبتها، لكونها عماد الدين.
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) }
قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ} الآية، فإنّها جامعة لمكارم الأخلاق، لأنّ في أخذ العفو: التساهل والتسامح في الحقوق، واللين والرّفق في الدّعاء إلى الدّين. وفي الأمر بالمعروف: كفّ الأذى وغضّ البصر، وما شاكلهما من المحرّمات.
وفي الإعراض: الصّبر والحلم والتؤدة.