فإن قلتَ: كيف قال تعالى هنا حكايةً عن السَّحرة الذين آمنوا وعن فرعون"قالوا آمنا بربّ العالمين . . إلى قوله"وتوفنا مسلمين"ثم حكى عنهم هذا في"طه"و"الشعراء"بزيادةٍ ونقصان ، واختلاف ألفاظٍ في الألفاظ المنسوبة إليهم ، والقصةُ واحدة ، فكيف اختلفتا عبارتهم فيها ؟"
قلتُ: حكى الله ذلك عنهم مراراً ، بألفاظ متساويةٍ معنى ، جرياً على عادة العرب فِى التفنًّن في الكلام ، والحذفِ في محلٍّ ، إحالةً على ذكره في محلٍّ آخر ، وإنما خولف في ذلك ، لئلا يُملَّ إذا تمحَّضَ تكرارُه.
والحكمةُ في تكرار قصة موسى وغيرها من القصص ، تأكيدُ التحدي ، وإظهارُ الِإعجاز ، ولهذا سمَّى اللّه القرآن"مثاني"لأنه تُثنَّى فيه الأخبارُ والقصص ، أو إفادة الغائب عن المرَّة السابقة ، فقد كان أصحابُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يحضرُ بعضُهم ، ويغيبُ بعضُهم في الغزوات ، فإذا حضر الغائبون ، أكرمهم الله تعالى بإعادة الوحي ، تشريفاً لهم.
29 -قوله تعالى: (قَالَ المَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ) .
إن قلتَ: كيف نسبَ القول هنا للملأ ، ونسبه في الشعراء لفرعون في قوله تعالى"قَال للملأ حولَه إن هذا لساحرٌ عليمٌ"؟
قلتُ: قاله فرعون وهم ، فحكى قوله ثَمَّ ، وقولهم وحدهم أو معه هنا.
30 -قوله تعالى: (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) .
قاله هنا بحذف"بسحره"وقاله في الشعراء بإثباته ، لأن الآية هنا بُنيتْ على الاختصار ، ولأن ما قبل الآية هنا وهو"لساحر عليمٌ"يدلُّ على السحر ، بخلاف الآية ثَمَّ .
31 -قوله تعالى: (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي المَدَائِنِ حاشِرِين)
قاله هنا بلفظ"وأَرْسِلْ"وفي الشعراء بلفظ"وابْعَثْ"وهما بمعنى واحد ، تكثيراً للفائدة في التعبير عن المراد ، بلفظيْن متساوييْن معنىً.