(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)
وإنما قدم {نَعْبُدُ} على {نَسْتَعِينُ} وقد علم أن الاستعانة قبل العبادة، والعمل لا يقوم إلا بعون الله، لأن العبادة لا سبيل إليها إلا بالمعونة، والمعان على العبادة لا يكون إلا عابداً. فكل واحد مرتبط بالآخر: لا عمل إلا بمعونة ولا معونة إلا تتبعها عبادة، فلم يكن أحدهما أولى بالتقديم من الآخر، وأيضاً فإن الواو لا توجب ترتيباً عند أكثر النحويين.
وأما علة تكرير {إِيَّاكَ} فمن أجل اختلاف الفعلين إذ أحدهما عبادة والآخر استعانة.
وقيل: كرر للتأكيد كما تقول:"المال بين زيد وعمرو، بين زيد وبين عمرو"، فتعيد"بين"للتأكيد.
(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)
معناه ثبتنا، لأنهم كانوا مهتدين، وإنما هو رغبة إلى الله أن يثبتنا على ذلك حتى يأتي الموت ونحن عليه.
وقيل: معناه ألهمنا الثبات على الصراط المستقيم، وهو دين الإسلام، وهو مروي عن ابن عباس.
و"هَدَى"يكون بمعنى:"أَرْشَد"، نحو قوله: {واهدنآ إلى سَوَآءِ الصراط} [ص: 22] ، أي أرشدنا.
ويكون بمعنى"بَيَّنَ"كقوله: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} [فصلت: 17] ، أي بينّا لهم الصواب من الخطأ، فاستحبوا الخطأ.
ويكون بمعنى"أَلْهَمَ"كقوله: {ثُمَّ هدى} [طه: 50] ، أي ألهم الذَّكَر من الحيوان إلى إتيان الأنثى.
وقيل: معناه ألهم المصلحة ويكون هدى بمعنى"وَفَّقَ"كما قال" {لاَ يَهْدِي القوم الظالمين} [البقرة: 258] أي لا يوفقهم."
{الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} وسمي مستقيماً لأنه لا عوج فيه ولا خطأ.
وقيل: سمي بذلك لاستقامته بأهله إلى الجنة. انتهى انتهى {الهداية إلى بلوغ النهاية} ...