وأما في غيره. فلئلا ينفك من حمده في شيء من الأحوال، كما لا ينفك من نعمه اعترافاً له بها، فكأنه هو المخبر.
(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4) (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4)
«فإن قيل» : أيهما أبلغ؟
قيل: قال بعضهم:"مالك"أبلغ، لأنه يقال: مالك الدراهم والحيوانات والريح، ولا يقال ملكها.
وقيل:"الملك"أبلغ، لأنه لا يمكن إلا مع تعظيم.
وهما مختلفان في الحقيقة.
فإن الملك: هو المتصرف بالأمر والنهي في المأمورين.
والمالك: هو المتصرف في الأعيان المملوكة على أي وجه كان.
«فإن قيل» : على أي وجه أضيف إلى اليوم؟
قيل: أما"ملك"، فعلى حد: يا سارق الليلة أهل الدار.
في أنه اتسع للظرف.
فجعله مفعولاً به، وأما"مالك"فمضاف إلى المفعول به.
لأنه تعالى هو موجده وضابطه.
وإذا أضيف إلى"الوقت"غير الله تعالى فيقال: فلان مالك يوم كذا.
فإنما هو على تجوز؛ إذ كان حقيقة اليوم والوقت ليس بملك لغيره.
وأما اختصاص ذلك اليوم مع كونه في الحقيقة مالكاً لجميع الأشياء، وفي جميع الأزمنة - لأمرين:
أحدهما: أنه قد ملَّك في الدنيا قوماً أشياء يبطل عنها ملكهم لها يوم القيامة، ولذلك قال: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} ، وقال: {نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا} ، وقال: {وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} .
والثاني على وجه التعظيم، لأنهم يجعلون ما يستعظمونه ملكاً له نحو: بيت الله وناقة الله، وتعظيم إياه على وجه أن اليوم الآخر لا انقضاء له ولا فناء، وجميع ما في الدنيا فانٍ، وقد علم أن الباقي أشرف من الفاني.
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) }
«إن قيل» : كيف قال:"إياك"نعبد ولو قال:"نعبدك"كان أوجز منه لفظاً؟
قيل: إن عادتهم أن يقدموا من الفاعل والمفعول ما القصد الأول إليه، والاهتمام متوجه نحوه، وإن كان في ذكر الجملة القصدان جميعاً.
تقول: بالأمير استخف الجند - إذا كان القصد الأول ذكر من وقع به استخفاف الجند - و"الأمير استخف بالجند - إذا كان القصد الأول إلى من أقدم على الاستخفاف بهم."