وخشية الله تعالى، والإنابة إليه وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته والخوف من عذابه.
وأخيرًا تشمل العبادة الفريضتين الكبيرتين اللتين هما سياج ذلك كله وملاكه وهما: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد الكفار والمنافقين في سبيل الله تعالى. وبهذا يفهم أن الدين كله داخل في العبادة» [1] .
والتوجه إلى الله تعالى بالعبادة ومعرفة الله تعالى حق معرفته مسؤولية ليست هينة، لأنها محاولة من الإنسان جادة للارتفاع إلى مقام العبودية لله وحده، وهو مقام رفيع خوطب به رسولنا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [2] .
قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [3] .
ولننظر بماذا فسرت الأمانة في هذه الآية ومدى ما تعنيه من مسؤولية: يقول أبي سعود [4] :
بين الله تعالى عظمة التكاليف الشرعية وأنها أمر صعب للغاية كما عبر عنها بالأمانة وأوجب عليهم حسن الطاعة والإنقياد، والمحافظة عليها وأدائها من غير إخلال بشيء من حقوقها، وعبر بالعرض عليهن «السموات والأرض» للاعتناء بأمرها والرغبة في قبولهن لها كما عبر عن عدم استعدادهن والإشفاق مها للتهويل والفخامة كما عبر عن قبولها بالعمل لتحقيق معنى الصعوبة حيث جعلها من قبيل الأجسام الثقيلة. والمعنى أن تلك الأمانة في عظمتها حيث لو كلفت هذه الأجرام العظام وكانت ذات شعور وإدراك لرفضن قبولها وأشفقن منه» [5] .
(1) العبادة في الإسلام، لدكتور يوسف القرضاوي، ص: 50، 51 الناشر: مكتبة وهبة، القاهرة الطبعة الرابعة والعشرون 1995 م.
(2) سورة الإسراء، آية 1.
(3) سورة الأحزاب، آية 72.
(4) هو أبو سعود محمد بن محمد العمادي الحنفي مفتي الديار التركية صاحب التفسير (تفسير إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم المشهور بتفسير أبي سعود) ولد سنة 893 هـ وتوفي بمدينة القسطنطينية سنة 983 هـ انظر: البدر الطالع للشوكاني 1/ 261.
(5) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي سعود (بتصرف) ، الطبعة الرابعة 1994 م، دار إحياء التراث العربي، بيروت.