فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 170

يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ [1] ، فالنار تغشاهم وتغطيهم من سائر جهاهتهم وهذا أبلغ في العذاب الحسي. وكلما احترقت جلود الكفار كلما احترقت وزالت من النار يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) وَالَّذِينَ} [2] . فكلما أكلت النار جلود الكفار أبدلهم الله تعالى جلودًا غيرها كي يستمر الألم بلا انقطاع ويذوقوا العذاب الأليم بدون توقف.

وبالجملة فإن عذاب جهنم وشدته يحيط بالكافرين والمجرمين من جميع الجهات فيعذبون ظاهرًا وباطنًا يشملهم العذاب من كل جوانب كما يقول تعالى {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [3] .

إن الله عز وجل يعذب الكفار والعصاة بأنواع من العذاب ومنها الضيق في جهنم وهو يشمل ظواهرهم وبواطنهم، وقد اجتمعت عليهم ألوان العذاب فنفوسهم ضيقة حيث قال تعالى: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} [4] ، فهم ملقون في أضيق الأماكن، وقد كانوا في الدنيا ينحتون من الجبال القصور فرحين بها، فما أحوجهم يوم القيامة إلى شبر من الأرض يعبدون الله فيه فينجون من ذلك الضيق وذلك العذاب. قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} [5] .

وجهنم مع ما يحصل لأهلها من الضيق، فهي واسعة ضخمة، يدل على ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ سمع وجبة (أي سقطة) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تدرون ما هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفًا، فهو يهوي في النار إلى الآن حتى انتهى في قعرها» [6] .

ومما يدل على سعة النار وعظمها كثرة الداخلين إليها على ما هم عليه من ضخامة الجسم وعظم الهيئة، وكذلك قذف الشمس والقمر فيها على ضخامة الشمس وسعة القمر.

فهي واسعة عظيمة، كبيرة مهولة، ومع ذلك يجد فيها المجرمون من الضيق والحبس، ما يعضون عليه الأنامل من ندم التفريط في الدنيا، عن عائشة رضي الله عنه أنها: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم

(1) سورة الزمر. 16.

(2) سورة النساء. آية 56.

(3) سورة الأعراف. آية 41.

(4) سورة الفرقان. آية 13.

(5) سورة المطففين. آية 7.

(6) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: جهنم أعانا الله منها، ص: 1234، رقم الحديث: 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت