فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 170

إن من بلغ به الإيمان بلقاء الله حد اليقين اعتبر بما حصل للأمم السابقة من العذاب - كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم -، وذلك لعلمه بأن الله من ورائهم محيط، وقد أخذهم علي حالهم لينالوا كمال العقوبة في الآخرة، فكان ذلك الآخذ آية مشاهده دالة على لزوم محاسبة الناس على أعمالهم: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ} [1] ، وقد كان المشركون من أهل مكة يمرون على ديار من أخذوا بالعذاب - كقوم لوط - فلا يتأثرون لعدم رجائهم للآخرة؛ فانعدم الخوف من نفوسهم فلم يعتبروا بمرورهم ذلك كما قال الله: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا} [2] ، لهذا كان الخوف من لقاء الله مادة كل خير، والأمان من غضب الله مادة كل شر.

إن المجتمع الذي يشيع فيها الظلم، وإعتداء الناس بعضهم على بعض، من أكل أ/وال الناس بالباطل، والنيل من الأعراض، والحسد والتباغض، والفرقة والإختلاف، وركون إلى الدنيا، فتكون العقوبة الإلهية هنا علاجًا لتلك الأمراض، وسببًا لتزكية النفوس، كما يكون لها أثر كبير في حث الناس على العمل الصالح والمبادرة لفعل الخيرات وترك المنكرات.

وإذا عرف الإنسان هذه السنة الإلهية في المجتمعات، وأيقن بتحققها فلا شك أن ذلك سيمنعه من التهاون في حقوق الخلق، والحذر من ظلمهم في دم أو مال أو عرض، سيضفي الأمن والأمان على مثل هذه المجتمعات، لأن أهلها يخافون عقاب الله من أن ينزل عليهم، فلا تحاكم إلا لشرع الله، ولا تعامل إلا بأخلاق الإسلام الفاضلة، فلا خيانة ولا غش ولا ظلم. إذًا أنه لا شيء يمنع النفس من ظلم غيرها في نفس أو مال أو عرض إلا من العقوبة الإلهية وإعطاء كل ذي حق حقه، وإنصاف المظلوم ممن ظلمه، والحذر من الدنيا والركون إليها.

آثار فردية:

إن أول أثر من آثار العقوبات الحسية في الدنيا على الفرد الذي من أجلها شرع الله الحدود في الإسلام، هو الزجر أعني الردع والمنع وهذا قبل وقوع الجريمة، أما بعد وقوعها بالحكمة منها زجر الجاني من العود إلى الجريمة، كما تكون هذه العقوبة وسيلة لصلاح المجرم وإصلاحه، لأن العقوبة تدعو إلى الندم على ما فعل، وتقريع نفسه عما أقدمت عليه من معصية الشرع مما يحمله على التوبة النصوح، فينصلح

(1) سورة هود. آية 103.

(2) سورة الفرقان. آية 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت