فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 170

الفصل الثاني: الجزاء الإلهي في الآخرة

المبحث الأول: الجزاء الإلهي في الآخرة للصالحين:

التمهيد:

وبعد أن ذكرنا في الفصل الماضي بعض مظاهر الجزاء الدنيوي للصالحين والطالحين، أريد أن أنبه هنا إلى أمر مهم وهو أن الجزاء في الدنيا ليس شاملًا ولا كاملًا. فقد يفعل أحد الناس خيرًا ولا يعطى ثوابه في الدنيا بل يدخر الله تعالى له الثواب في الآخرة. وقد يفعل البعض إجرامًا ومعاصي، ولا يلحقه شيئا من العقاب في الدنيا بل يمهله الله تعالى إلى الآخرة ليكون عقابه أشد وعذابه أقوى وأغلظ. لذا الجزاء بنوعيه ثوابًا أم عقابًا ليس شاملا ولا تامًا ولا كاملًا في الدنيا، وهذا ما تؤكد وتدعمه آيات القرآن الكريم يقول الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [1] ، يبين الله تعالى أن كل ما يصيب الناس من مصائب في الدنيا إنما هي بسبب ما كسبت واقترفت أيديهم من سيئات ومعاصي، وقوله تعالى: {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} ، لبيان أنه تعالى قد يعفو عن كثير من السيئات فلا يعاقب عليها بل يعفوا عنها.

ذكر الإمام الرازي في تفسيره: «بأن الله تعالى جعل ذنوب المؤمنين صنفين: صنف كفره عنهم بالمصائب في الدنيا، وصنف عفا عنه في الدنيا، وهو كريم لا يرجع في عفوه، وهذه سنة الله مع المؤمنين، وأما الكافر فلأنه لا يعجل عليه عقوبة ذنبه حتى يوافي ربه يوم القيامة» [2] .

ويزيد الأمر تقريرًا وتأكيدًا، قوله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [3] ، ومعناه أن الله تعالى لو أخذ الناس في الدنيا بجميع ذنوبهم لأهلك جميع أهل الأرض ولكنه يمهلهم إلى يوم القيامة فيحاسبهم يوم الحساب الأوفى، ويجازي كل عامل بعمله فيثيب أهل الطاعة ويعاقب أهل المعصية.

إن القارئ للقرآن الكريم والمتدبر في آياته يلحظ في كل سورة من سور القرآن الكريم الإهتمام البالغ بالحياة الآخرة بحيث لا تخلو سورة من سور القرآن من ذكر الآخرة أو الإشارة إليها، بل نجد بعض السور تتجه كل آياتها لتجلية معالم الآخرة وابراز حقائقها وصورها. وذلك لإقناع الناس بأن الدار

(1) سورة الشورى. آية 30.

(2) التفسير الكبير، لإمام الرازي، 14/ 174، دار الفكر، بيروت. ط: 1410 هـ، 1990 م.

(3) سورة فاطر. آية 45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت