فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 170

{وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ} [1] ، وغير ذلك من الآيات التي تبين ما أصاب المجتمعات الظالمة المجاوزة لأوامر الله تعالى والمنتهكة لنواهيه، وهي تنذر وتوعد كل مجتمع متكبر جبار متعد لحدود الله تعالى.

ففي محاسبة الله تعالى وإهلاكه لهذه القرى الظالمة تحذير لكل من ينتهج نهجهم أو يسلك مسلكهم ويتبع غير طريق الله تعالى الذي ارتضاه لعباده.

ومن مظاهر هذا العقاب الذي يصيب الظالمين والفاسقن زوال النعم عنهم. ومن الأمثلة ما ذكر الله تعالى في شأن «أصحاب الجنة» الذين حلفوا فيما بينهم ليجذن ثمر البستان ليلا لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل ليتوفر ثمرها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء. فلما ذهبوا إلى جنتهم وجدوها قد احترقت، فوقعوا في الحيرة حتى ظنوا أنهم ضلوا طريقها ثم تبين لهم الأمر بأنها هي بعينها، لكن قد طاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأخذوا يلومون أنفسهم ويلوم بعضهم بعضا، أدركوا أنهم كانوا ظالمين، فعادوا إلى ربهم ورجعوا أن يغفر لهم وأن يبدلهم خيرا من جنتهم، كما جاءت قصتهم في سورة ن قال تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ} [2] .

ونرى بأن الله قد ذيل القصة بقوله تعالى: {كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [3] ، لبيان أن سنة الله في هؤلاء المستكبرين وفي كل أرباب النعم، هي سنته في أصحاب الجنة. ومعناه أن العذاب الذي نرسله في دار الدنيا على الطاغين، والذي من شأنه أن يؤثر في النفوس، إنما يكون مثل ذلك العذاب الذي نزل بأصحاب الجنة فاهلك حرثهم وأباد خضراءهم.

وكما ذكر الله تعالى في شأن الرجل الذي كفر بربه وأنكر المعاد واغتر بماله وثمار جنته الذي ذكره الله تعالى في سورة الكهف في قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} [4] ، فكان عقابه أن أنزل الله عليه حسبانا من السماء أي عذابًا ووقع به ما كان يحذر وأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها بقوله تعالى: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} [5] .

(1) سورة الأنبياء. آية 11.

(2) سورة القلم. آية 17 - 22.

(3) سورة القلم. آية 33.

(4) سورة الكهف. آية 32.

(5) سورة الكهف. آية 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت