يُؤْمِنُونَ [1] ، يخبر الله تعالى أنه مالك السموات والأرض ومن فيها وأنه قد كتب على نفسه المقدسة الرحمة كما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن الله لما خلق الخلق كتب كتابا عنده فوق العرش أن رحمتي تغلب غضبي» [2] .
ويقول الطبري: وقوله كتب على نفسه الرحمة يقول: إخبار منه سبحانه بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة. ويقول منهم الأنابة والتوبة هذا من الله تعالى ذكره استعطاف للمعرضين عنه إلى الإقبال إليه بالتوبة [3] .
وكثيرا ما يقرن الله تعالى في القرآن بين كونه شديد العقاب وبين كونه غفور الرحيم مثل قوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [4] ، وإذا تدبرنا في الجزاء الإلهي نجد أن رحمة الله تعالى تحيطه وتطبعه في كل جانب من جوانبه وتتمثل جوانب الرحمة في الجزاء الذي رتبه الله تعالى لعباده على أعمالهم فيما يأتي:
أولًا: أن الله يجزى المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته وأعد ذلك ترغيبًا في الخبر وترهيبًا من الشر حتى يندفع الفساد ويعم الخير والصلاح.
ثانيًا: أن الله تعالى لا يؤاخذ عباده بمجرد الهم بالمعصية، بل إذا هم بدون عزم وتصميم ثم ترك لوجه الله تعالى وخوفًا من عقابه كتبت له حسنة. كما قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [5] .
ثالثًا: من رحمة الله تعالى في الجزاء أن جعل التوبة فرضا وواجبًا وسببًا يمحو الله به الذنوب ويغفرها. كما قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [6] .
رابعًا: ومن آثار ورحمة الله تعالى وسعة فضله في الجزاء أن جعل الله العقوبات والحدود كفارات ما دام يتلقاها المخطئ ويتقبلها برضى وتسليم واقتناع بحكم الله تعالى.
فقد بين القرآن بأن الله تعالى أحاط بجميع أعمال خلقه، ما كان كبيرًا منها أو صغيرًا، وجهريًا أو سريًا، في كل لحظة وأوان، لا يغيب عن علمه منها شيء، ولا يغادر كتبه شيئا منها إلا أحصاه، وأنه
(1) سورة الأنعام. آية 12.
(2) صحيح مسلم، كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه، رقم الحديث: 14، ص: 1192.
(3) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 6/ 395.
(4) سورة الرعد. آية 6.
(5) سورة الأنعام. آية 160.
(6) سورة الأنعام. آية 54.