خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ [1] وكما ينال الإنسان السعادة في الدنيا والآخرة، السعادة التي يبحث عنها كثير من الناس فلا يجدونها إلا في هذا الدين - وهذا باعتراف من أسلم منهم - مع الإشارة إلى أن مفهوم السعادة لا يعني التفوق المادي ونحوه، وإنما لاسعادة الحقيقية يحياها من التزم دين الإسلام حق الالتزام. يشهد لهذا واقع الناس اليوم، فإن كثيرًا ممن لا يدين بهذا الدين يشعر بالفراغ الروحي، وبفقدان الأمن والاستقرار النفسي، وقد ذكر سبحانه في كتابه الكريم أن حصول الأمن إنما يحصل لعباده الذين أمنوا به واتبعوا سبيله، فقال: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) } [2] .
فمع الإيمان الحق يكون الأمن والاطمئنان، ومع الأعراض يكون الضنك والشقاء، قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [3] . ويجمع هذا وذاك قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [4] .
وكذلك من آثار الجزاء الحسن بأن أفراد المجتمع يتمتعون بالأمل الرحب والاستبشار والتفاؤل، لا يعرفون يأسًا، ولا يخشون بأسا، لا يحل القنوط بساحتهم، ولا يعرف اليأس بابهم [5] . عرفوا تسخير الكون لهم فانتفعوا به، هذا كله يدفعهم إلى النشاط والتفاؤل.
فيلجؤون إلى الإيمان عند الخوف فيطمئنون إليه فيزيدهم إيمانًا وثباتًا، وقوة وشجاعة، ويضمحل الخوف الذي أصابهم، كما قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [6] . لقد اضمحل الخوف من قلوب هؤلاء الأخيار، وخلفه قوة الإيمان وحلاته، وقوة التوكل على الله، والثقة بوعده.
ويلجؤون إلى الإيمان عند الطاعة والتوفيق للأعمال الصالحة، فيعترفون بنعمة الله عليهم، ويلجؤون إلى الإيمان إذا ابتلوا بشيء من المعاصي بالمبادرة إلى التوبة منها، وعمل ما يقدرون عليه من الحسنات، كمان قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [7] ، فالمؤمنون
(1) سورة النحل. آية 30.
(2) سورة الأنعام. آية 82.
(3) سورة طه. آية 124.
(4) سورة الأعراف. آية 96.
(5) الإيمان، لدكتور عبد الله الشرقاوي، ص: 51.
(6) سورة آل عمران. آية 173، 174.
(7) سورة الأعراف. آية 201.