فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 170

«بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه» [1] .

فهي صفة تختص بها العقوبة في الإسلام تلك هي أنها مكفرة بمعنى أنها تكفر عن الذنب وتطهر صاحبها من أدرانه، ومن هنا كانت تلك الظاهرة الفريدة أن يسعى من يقترف ذنبًا لتوقيع العقوبة صائحًا «طهرني» وفي هذه الحالة تنتفي كل أثارة من أثارات المهانة ويستحق المذنب ثوابًا يشمل المئات، وهذه الحالة تختلف كل الاختلاف عما يحدث في المجتمعات الأوروبية عندما تستنفر السلطات كل وسائل الضبط لإيقاع المتهم متلبسًا بالجريمة وما يحدث من إنكار المتهم ومحاولة المحكمة التوصل إلى الأدلة بمختلف الطرق.

والطهارة الشرعية منا لذنب حق من حقوق الله تعالى إذ لا يغفر الذنوب إلا هو سبحانه وتعالى، ولا يغفر الله الذنب إلا بالطرق التي شرعها لذلك. ومعنى هذا أن الذين تطبق عليهم عقوبات وضعية فإنما تفتنهم ونعذبهم فقط دون أن يعود عليهم مردود ديني وهذا في نفسه ظلم للعباد كما أنه جريمة في حق الله سبحانه وتعالى لأننا بذلك نعذب العباد بما لا يرضاه الله وما لم يشرعه. وهذا ظلم آخر. ويقول ابن القيم: «إن الله أوجب الحدود على مرتكبي الجرائم التي تتقضاها الطباع، وليس عليها وازع طبيعي، والحدود عقوبات لأرباب الجرائم في الدنيا كما جعلت عقوبتهم في الآخرة بالنار إذا لم يتوبوا، ثم إن الله تعالى جعل التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فمن لقيه تائبا توبة نصوحا له يعذبه مما تاب منه» [2] .

تعد الكرامة من أخص حقوق الإنسان الطبيعية التي يستحقها لمجرد كونه إنسانًا، فهي ضرورة من ضرورات حياته، لا يمكن بدونه أن يقوم بواجب على وجهه. لذلك أحاطها الإسلام بسياج قوي في تشريعاته التي تمنع النيل منها، والإعتداء عليها، ويتمثل ذلك في تحريم الزنا والقذف والغيبة والنميمة، وتوعد فاعلها بالعقوبة الأخروية والدنيوية، تصديقًا لقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ} [3] ، كما يقيم سياجًا من التشريع يصون به كرامة الإنسان ما دام خاضعًا له، بحيث يحفظ دمه أن يسفك، عرضه

(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب علامة الإيمان حب الأنصار، رقم الحديث: 18، ص: 6.

(2) أعلام الموقعين، لإبن القيم، 3/ 144، ط: دار الجيل للنشر والتوزيع، بيروت، لبنان.

(3) سورة الإسراء. آية 70.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت