فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 170

عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ [1] ، ذكر ابن كثير عدة أقوال في تفسير هذه الآية منها: أي جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم غيرها، وقيل: نزع الله تعالى من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصهم بحب الآخرة وذكرها، وقيل: كانوا يذكرون الناس الدار الآخرة والعمل لها [2] . ثم إن مغريات الحياة الدنيا كثيرة جدًا، ولا علاج لها إلا ما يربي القرآن في نفوسنا من إيثار الآخرة على الدنيا.

فنساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهن من أفضل النساء في عصرهن، اجتمعن ليطالبن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن يمتعهن بزينة الحياة الدنيا، كما تتمتع نساء الملوك، فنزل فيهن قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [3] ، فاخترن الله وسوله والدار الآخرة، وبقين في كنف رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبرن على شظف العيش.

النفس عندما تعلم ضخامة العوض، وأن طاعة الله عاقبتها جنة عرضها السماوات والأرض، نعيمها لا يفنى، وعيشها دائم، أكلها وظلها دائمان، وما فيها من أنواع النعيم، فإن هذا الجزاء العظيم ينسي المسلم تعب العمل وكده لله عز وجل؛ لأنه يتطلع إلى الأمام، يتطلع إلى الآخرة، فنعيم الجنة ينسيه ما في طاعة الله من المشقة والتعب، لأنه يدرك بأنه لا جنة بلا عمل أو تعب أو مشقة، فيتحمل المشقة والجهد في طاعة الله. ما الذي يجعل المصلي يقوم لصلاة الفجر من الفراش والنوم الهانئ بالتعب والمشقة إذا لم يكن هناك عوض ولم يكن هناك جزاء، وقس على ذلك جميع الأعمال التي يقوم بها العبد لرب العالمين، من صيام وحج وزكاة وجهاد وغير ذلك.

فاليوم الآخر إذًا هو المتنفس، هو الأمل، هو النعيم الحقيقي الذي ينسي المسلم التعب الذي يتعبه في الدنيا، وهو النعيم الذي يعوض المؤمن عما يفوته الآن من نعيم الدنيا؛ لأنه يعمل لله رب العالمين.

لذلك من هنا إذا علمت النفس عظم العوض استعدت للبذل، وما الذي يجعل المقاتل المجاهد في سبيل الله يدفع روحه ونفسه وماله لله رب العالمين؟ إذا لم يكن هناك عوض أكبر من التضحية بالنفس والمال، هل كان سيضحي بنفسه وماله؟ والكفار على النقيض من المؤمنين لا يفكرون في اليوم الآخر مطلقًا، ولا يحسبون له أي حساب كما قال تعالى: {إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} [4] .

(1) سورة ص. آية 46.

(2) تفسير القرآن العظيم، لإبن كثير، ص: 1611.

(3) سورة الأحزاب. آية 28، 29.

(4) سورة الإنسان. آية 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت