الآخرة هي الحق الواقع والأصل الثابت يرى فيها المرء الجزاء الكامل على أعماله في الدنيا إن خيرًا فخير إن شرًا فشر. والدار الآخرة هي الدار الحاصلة بعد الموت التي يقع فيها البعث والنشور والحشر والحساب والجنة والنار. يقول الراغب «ويعبر الدار الآخرة عن النشأة الثانية كما يعبر بالدار الدنيا عن النشأة الأولى [1] .
فالحياة الآخرة هي التي يتحقق فيها الجزاء التام الكامل على الأعمال وتشمل كل ما وردت به النصوص القطعية من بعث وحشر وحساب وجنة ونار.
من المتفق عليه عند الجمهور أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان وهما باقيتان، وأن الله تعالى قد أعدهما وهيأهما ليكونا مستقرًا لعباده الجنة لأهل الطاعة والإيمان. والنار لأهل الكفر والعصيان.
ولم يخالف ذلك إلا بعض ممن ضعف إيمانهم وتضاءلت عقولهم عن فهم النصوص القطعية الثابتة الدالة على وجود الجنة والنار وأنهما مخلوقتان وما تمسكوا به من أدلة لا ينظر إليه ولا يؤبه به لذلك أذكر هنا فقط الأدلة التي تمسك بها العلماء المحققون من أهل السنة والجماعة.
يقول ابن القيم: «لم يزل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون وتابعوهم وأهل السنة والحديث قاطبة وفقهاء الإسلام وأهل التصوف والزهد على إعتقاد ذلك وإثباته مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة وما علم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم فإنهم دعوا الأمم أليها وأخبروا بها، إلى أن نبغت نابغة من القدرية والمعتزلة فأنكرت أن تكون مخلوقة الآن وقالت بل الله ينشئها يوم القيامة وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة الله فيما يفعله» [2] ويقول ابن حزم [3] : «ذهبت طائفة من المعتزلة والخوارج إلى أن الجنة والنار لم يخلقها بعد وذهب جمهور المسلمين إلى أنهما قد خلقتا وما نعلم لمن قال أنهما لم يخلقا» [4] .
ولقد تضافرت نصوص القرآن والسنة على إثبات ما ذهب جمهور المسلمين من كون الجنة والنار مخلوقتان الآن فالله تعالى يقول في شأن الجنة: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ
(1) مفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، ص: 23.
(2) حادي الأفراح إلى بلاد الأفراح، لإبن القيم، بتحقيق: الدكتور السيد الجميلي، الباب الأول: في بيان وجود الجنة، ص: 37، الطبعة الرابعة 1409 هـ، 1988 م، دار الكتاب العربي.
(3) هو الإمام أبو ممحد علي بن أحمد الشهير بابن حزم الأندلسي الاهري صاحب اللسان الشديد برع في فنون كثيرة ومن مؤلفاته: المحلى في الفقه، الفصل في الملل والأ÷واء والنحل، ولد سنة 384 هـ وتوفي سنة 456 هـ انظر: سير أعلام النبلاء 18/ 187 - 211.
(4) الفصل والملل والأهواء والنحل، لإبن حزم، الكلام في خلق الجنة والنار، 4/ 81، دار الفكر، 1400 هـ، 1980 م.