4.أن القاتل قتلا خطأ عليه الدية والكفارة.
وبذلك نشاهد أن الإسلام بما شرعه من عقوبة الاعتداء على البشرية فيه علاج شاف للطبائع البشرية والنفوس الشريرة التي تميل إلى الاعتداء على الغير. وفيه قضاء على الاجرام وردع للمعتدين وزجر وحماية للنفس الإنسانية وصيانة لها من الهدم الهلاك.
لقد شرف الله تعالى الإنسان وميزه بميزة كبرى وهي العقل. وبالعقل يتلقى الإنسان ويفهم أوامر الله تعالى ونواهيه وهو مناط التكليف وأساس مسؤولية الإنسان. لذلك نهى الله تعالى عن كل ما يؤدي إلى تعطيل القوى العقلية، ومن أضر الأشياء على العقل وأشدها فتكا به شرب الخمر.
ولقد نهى الله تعالى عباده المؤمنين عن تناول الخمر وحذرهم منها قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [1] ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [2] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «كل مسكر خمر وكل خمر حرام. ومن شرب الخمر في الدنيا ومات وهو يدمنها لم يشربها في الآخرة» [3] .
لم ينص القرآن الكريم على عقوبة جريمة الشرب، ولكن نصت السنة المطهرة على ذلك فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال «جلد النبي صلى الله عليه وسلم في الخمر بالجريد والنعال وجلد أبو بكر رضي الله عنه [4] أربعين» [5] .
وكما جاء في حديث عن أنس رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب الخمر فجلده بجريد نحوا أربعين. قال وفعله أبو بكر رضي الله عنه فلما كان عمر رضي الله عنه استشار الناس فقال عبد الرحمن رضي الله عنه [6] : اخف الحدود ثمانين» [7] .
(1) سورة البقرة. آية 219.
(2) سورة المائدة. آية 91.
(3) أخرجه ملسم في صحيحه، كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام، ص: 896، رقم الحديث: 75.
(4) هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه بن أبي قحافة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار والهجرة، كان من أعلم الصحابة، زاهدًا متواضعًا توفي في سنة 513. أنظر أسد الغابة، لابن الأثير 3/ 309 - 335.
(5) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود، باب ما جاء في ضرب شارب الخمر، ص: 1168، رقم الحديث: 6773.
(6) هو عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بن عبد عوف، أحد العشرة المبشريين بالجنة، ولد بعد عام الفيل بعشر سنين، أسلم قديمًا قبل دار الأرقم، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا. توفي سنة 513، ودفن بالبقيع. أنظر الإصابة 4/ 247 - 250.
(7) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب حد الخمر، ص: 756، رقم الحديث: 35.