فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 170

حاله، بل وقد يكون حاله بعد الجريمة وإنزال العقوبة فيه توبته عما ارتكب خيرًا مما كان عليه قبل ارتكات الجريمة [1] .

وقال الماوردي [2] : «الحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما خطر، وترك ما أمر به، لما في الطمع من مغالبة الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذة، فجعل الله تعالى من زواجر الحدود ما يردع به ذا الجهالة حذرًا من ألم العقوبة، وخيفة من نكال الفضحية، ليكون ما حظر من محارمه ممنوعًا، وما أمر به من فروضة متبوعًا، فتكون المصلحة أعم، والتكليف أثم، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [3] ، يعني في استنفاذهم من الجهالة وإرشادهم من الضلالة، وكفهم عن المعاصي، وبعثهم على الطاعة» [4] .

إذًا ينتفع الجاني من العقوبة الشرعية مهما بدت قاسية شديدة، فيرتدع عن مقارفة الجريمة بعد أن غلبته الشهوة، وزين له الشيطان فعلها حين يتذكر ألم عقوبتها في الدنيا فيتزجر عنها ويسلم من خزيها.

ويقول ابن تيمية: «شرعت العقوبات رحمة من الله تعالى بعباده، فهي صادرة عن رحمة الخلق وإرادة الإحسان إليهم، ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان إليهم والرحمة بهم كما يقصد الوالد تأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة المريض» [5] .

فرض الله سبحانه وتعالى الحدود في الإسلام (العقوبات الشرعية المنصوص عليها) مطهرات للذنوب التي ارتكبها أصحابها وعوقبوا عليها، وهي في الوقت نفسه مطهرة لصاحبها، مخلصة له من عقاب الله في الدار الآخرة، فمن عوقب على ذنبه في الدنيا وفقًا لأحكام شرع الله، لقي الله تعالى طاهرًا نظيفًا ما عليه ذنب، كما في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه [6] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(1) راجع المفصل في أحكام المرآة وبيت المسلم في الشريعة الإسلامية، الدكتور عبد الكريم زيدان، 5/ 15، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة، 1420 هـ، 2000 م.

(2) هو ألو الحسن علي بن محمد الماوري البصري الشافعي، ولد عام 364 ه، بالبصرة، توفي سنة 450 هـ فهو إمام في الفقه والأصول، مجتهد، إمام في التفسير، وله مؤلفات كثيرة منها: النكت والعيون في تفسير القرآن، كتاب الإقناع، الكافي، الأحكام السلطانية وغير ذلك. راجع رسالة الماجستير بالجامعة الإسلامية العالمية، بإسلام آباد سنة 1998 م، للطالب عبد الشكور.

(3) سورة الأنبياء. آية 107.

(4) الأحكام السلطانية، للماوردي، الباب التاسع عشر، في أحكام الجرائم، فصل في ثبوت الجرائم، ص: 337، 338، ط: الأولى 1416 هـ، 1997 م، المكتب الإسلامي.

(5) الفتاوى الكبرى، لإبن تيمية، كتاب الجنايات، 5/ 521، ط: الأولى 1408 هت، 1987 م، دار الكتب العلمية.

(6) هو عبادة بن الصامت بن قيس بن حرام بن فهر بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمر بن عوف بن الخزرج الأنصاري شهد بدرا وقال ابن سعد كان أحد النقباء بالعقبة وآخ الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي مرثد الغنوي توفي سنة 34 هـ انظر: الإصابة في تميز الصحابة 3/ 505 - 507 وتهذيب التهذيب 5/ 111 - 112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت