فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 170

وذكر ابن كثير في تفسير الأمانة عدة أقوال، تدور كلها على الفرائض والطاعات، ثم قال «وكل هذا الأقوال لا تنافي بينها، بل هي راجعة إلى أنها التكليف وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إذا قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه إلا من وفقه الله» [1] .

وفي كل المعاني التي ذكرت تبرز معنى المسؤولية، وبخاصة إذا فسرت على أنها الدين. لذا الإنسان مخلوق مسؤول عن أعماله، وقد حمله الله تعالى أمانة التكليف، فكانت هذه المسؤولية من أوجه تفضيله على كثير من مخلوقات الله تعالى، وهي التي رفضت هذه الأمانة حينما عرضت عليها وطلب منها الالتزام بها فرفضن حمل الأمانة وكرم الله تعالى الإنسان بتحميله لها، وجعل جزاء هذه الأمانة والالتزام بكل توصيات تلك الأمانة، رضوان الله والفوز بالجنة ومجاولة ورؤية رب العالمين، كما جعل لمن تنكب ما حمله وأعرض عن توصيات تلك الأمانة العذاب والحسرة والندم الشديد يوم يلقاه.

وبعد أن عرفنا بأن مهمة الإنسان في الكون هي الخلافة والعبادة والأمانة، وبعد أن وصفه الله تعالى بأنه المخلوق المكلف المسؤول، وحددت هذه المسؤولية آيات كريمات كما ذكرنا آنفًا هي قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [2] .

وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [3] ، وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [4] .

«ويكاد يجمع المفسرون لهذه الآيات على أن المقصود منها هو فروض هذا الدين، إقامته والمحافظة عليه، وحمله خلفًا عن خلف، وجيلًا بعد جيل. فإذا كانت هذه هي مسؤولية الإنسان فإنه ولا شك دور صعب يقتضي أن تساعد الحياة هذا المخلوق في مهمته حتى لا يجتمع عليه همان: صعوبة مسؤوليته، ومعاكسة الحياة له، فصعوبة هذه المهمة اقتضت وفق عدل الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [5] أن يعان عليها الإنسان. وقد أعانه الله تعالى عليها وأعده لها بما نفهمه على أنها مظاهر تكريم الله تعالى للإنسان، وأنها إعداد وتهيئة للدور المنوط بهذا الكائن المسؤول» [6] .

(1) تفسير القرآن العظيم، لإمام ابن كثير، ص: 1529.

(2) الأحزاب. آية 72.

(3) سورة الذاريات. آية 56.

(4) سورة البقرة. آية 30.

(5) سورة البقرة. آية 286.

(6) حقيقة الإنسان بين المسؤولية والتكريم، ص: 130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت