قال الثعالبي [1] : «ذهب الجمهور إلى أن الأمانة كل شيء يؤتمن الإنسان عليه من أمر ونهى شأن دين ودنيا فالشرع كله أمانة ومعنى الآية انا عرضنا على هذه المخلوقات العظام أن تحمل الأوامر والنواهي ولها الثواب أن أحسنت والعقاب أن اساءت فابت هذه المخلوقات واشفقت فيحتمل أن يكون هذا بإدراك يخلقه الله لها ويحتمل أن يكون هذا العرض على من فيها من الملائكة وحمل الإنسان الأمانة أي التزام القيام بحقها وهو في ذلك ظلوم لنفسه جهول بقدر ما دخل فيه» [2] .
وقال القرطبي: «لما بين تعالى في هذه السورة من الأحكام ما بين أمر بالتزام أوامره والأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال. فالأمانة هي الفرائض التي ائتمن الله عليها العباد» [3] .
ويقول الشيخ السعدي [4] في تفسير هذه الآية: «يعظم تعالى شأن الأمانة، التي ائتمن الله عليها المكلفين، التي هي امتثال الأوامر، واجتناب المحارم، في حال السر والخفية، كحال العلانية، وأنه تعالى عرضها على المخلوقات العظيمة، السماوات والأرض والجبال، عرض تخيير لا تحتيم، وأنك إن قمت بها وأديتها على وجهها، فلك الثواب، وإن لم تقومي بها، ولم تؤديها فعليك العقاب.
{فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} أي: خوفًا أن لا يقمن بما حملن، لا عصيانًا لربهن، ولا زهدًا في ثوابه، وعرضها الله على الإنسان، على ذلك الشرط المذكور، فقبلها، وحملها مع ظلمه وجهله، وحمل هذا الحمل الثقيل. فانقسم الناس - بحسب قيامهم بها وعدمه - إلى ثلاثة أقسام:
منافقون، أظهروا أنهم قاموا بها ظاهرًا لا باطنًا، ومشركون، تركوها ظاهرًا وباطنًا، ومؤمنون، قائمون بها ظاهرًا وباطنًا [5] .
(1) هو عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي أبو يزيد الجعفري المالكي الأشعري الجزائي صوفي من كبار المفسرين واعيان الجزائر وعلمائها ولد سنة 786 هـ، وله مؤلفات كثيرة منها: الجواهر الحسان في تفسير القرآن توفي سنة 875، انظر: الأعلام للزركلي 4/ 107 ومعجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر لعادل نويهض ص 90.
(2) الجواهر الحسان في تفسير القرآن، أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي، 4/ 361، دار إحياء التراث العربي، بيروت. ط: الأولى 1418 هـ، 1997 م.
(3) الجامع لأحكام القرآن، لإمام القرطبي، 14/ 254.
(4) هو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله بن ناصر بن حمد آل سعدي ولد سنة 1307 هـ في عنيزة بالمملكة العربية السعودية عام 1307 هـ. وله مؤلفات عديدة منها: تيسير الرحمن في تفسير كلام المنان، المناظرات الفقهية، منظومة في أحكام الفقه، وغير ذلك. أنظر: رسالة ماجستير «منهج الشيخ السعدي في تفسيره» . للطالب: الضيف نظور، عام 1999 م، الجامعة الإسلامية بإسلام آباد. ص: 14 - 34.
(5) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الشيخ أبي عبد الله عبد الرحمن آل سعدي، ص: 807، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى 1999 م.