فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 170

وأما ما يتعلق بالليلة والنهار ذكره القرآن إما بصيغة التسخير وإما بذكر الغاية من هذا التسخير، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} [1] .

قال ابن كثير «يمتن تعالى على خلقه بآياته العظام، فمنها مخالفته بين الليل والنهار، ليسكنوا في الليل وينتشروا في النهار للمعايش والصناعات والأعمال والأسفار، وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام، ويعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك؛ ولهذا قال: {لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} أي: في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك {وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} فإنه لو كان الزمان كله نسقًا واحدًا وأسلوبًا متساويًا لما عرف شيء من ذلك» [2] .

هكذا سخر له في السموات والأرض لخدمته. وأما ما ذكرناه هي مجرد أمثلة تؤكد ما ذهبنا إليه من أن الله تعالى يسر للإنسان سبيل حياته زمانًا ومكانًا، وإلا فآيات التسخير كثيرة وفوائدها جمة.

ب: تكريم الإنسان بالجوارح والحواس:

لقد وضح لنا القرآن الكريم بأن الله تعالى خلق الإنسان على هذه الصورة البديعة وزوده بما ركب فيه من حواس وجوارح وغرائز وغير ذلك ليتمكن بكل هذه القوى من القيام بما وكل إليه من رعاية مسؤلياته وتكاليفه. كما قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [3] ، قال الإمام النسفي [4] : «في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية أعضائه» [5] .

قال سيد قطب [6] في تفسير هذه الآية: ومنها تبدو عناية الله بخلق هذا الإنسان ابتداء في أحسن تقويم. والله سبحانه أحسن كل شيء خلقه. فتخصيص الإنسان هنا وفي مواضع قرآنية أخرى بحسن التركيب، وحسن التقويم، وحسن التعديل .. فيه فضل عناية بهذا المخلوق [7] .

(1) سورة الإسراء. آية 12.

(2) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص: 1106.

(3) سورة التين. آية 4.

(4) هو أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي الحنفي الفقيه الأصولي المفسر المتكلم صاحب كتاب (تفسير مدارك التنزيل) توفي سنة 710 هـ انظر: الدرر الكامنة لابن حجر 2/ 247 وتاج التراجم ص 111.

(5) مدارك التنزيل وحقائق التأويل، لإمام أبي البركات النسفي، 2/ 367، دار الفكر للطباعة والنشر.

(6) هو سيد ابن الحاج بن قطب ولد في قرية صعيد بمصر عام 1906 الميلادي التحق بدعوة الإخوان المسلمين بعد وفاة حسن البناء عام 1951 اعتقل في زمن جمال عبد الناصر مرتين وحكم عليه بالإعدام عام 1966 وله مؤلفات عديدة ومن أشهرها تفسيره في ظلال القرآن، انظر: عملاق الفكر الإسلامي الشهيد سيد قطب للشيخ عبد الله عزام ص: 9 - 32.

(7) في ظلال القرآن، لسيد قطب، 6/ 3933، دار الشروق. ط: العاشرة 1402 هـ، 1982 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت