فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 170

لقد جرت سنة الله عز وجل في عباده أن يعاملهم بحسب أعمالهم، فإذا اتقى الناس ربهم عز وجل، أنزل الله عز وجل عليهم البركات من السماء، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [1] .

وإذا تمردوا عن أمر ربهم، وأهملوا مسؤولياتهم، أتاهم العذاب كما قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [2] .

والقرآن الكريم، حين يعرض لنا مآل تلك القرى الظالم، ويقرر أن ما أصابهم، هو بسبب ما اقترفته أيديهم، من التمرد والجحود، وعدم تحمل المسؤولية، حين يعرض القرآن ذلك كله، فهو إنما يخاطبنا نحن الحاضرين، ويحذرنا بأن لا نقع في ذات الخطا، الذي وقعوا فيه، حتى لا نتعرض لعذاب الله الشديد.

فقيام الأفراد بمسؤولياتهم، ينجيهم وينجي المجتمع من الهلاك الجماعي. لذا نرى أن المجتمع الذي يشيع فيه المنكر، وتنتهك فيه حرمات الله، وينتشر فيه الفساد، ولا يقوم فيه أحد بمسؤوليته، فإن الله تعالى يعمهم بمحن غلاظ، تعم الجميع، وتصيب الصالح والطالح، وهذه السنة تدفع مباشرة من كان عنده علم أو فقه إلى المسارعة فورًا لتحمل مسولية إنكار المنكر دفعًا للعذاب والعقاب عن نفسه وعن مجتمعه، كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [3] . قال القرطبي: المقصود من الآية، واتقوا فتنة تتعدى الظالم فتصيب الصالح والطالح [4] .

وقال ابن كثير: يحذر الله تعالى عباده المؤمنين فتنة أي اختيارًا ومحنة يعم بها المسيء وغيره لا يخص بها أهل المعاصي ولا من باشر الذنب بل يعمها [5] .

وهذه هي الأهداف العامة التي يدعوا إليها القرآن الكريم المؤمن، ويأمره إلى الترفع في سيره إلى مستوى هذه الأهداف، وعلى المؤمنين أن يتحرك في مجالات حياتة المختلفة حريصًا على تحقيقها، مهما كلف من جهد، شاعرًا بعظم المسؤولية.

إن من أهم أهداف المسؤولية الخاصة هو بناء الإنسان الصالح، والإنسان الصالح هو المسلم الصالح، والمؤمن التقي، وإذا استقر أنا نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة في هذا الصدد، تحصل لنا مواصفات

(1) سورة الأعراف. آية 96.

(2) سورة النحل. آية 112.

(3) سورة الأنفال. آية 25.

(4) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 7/ 393.

(5) تفسير القرآن العظيم، لإبن كثير، ص: 831، الطبعة الأولى 2000 م، دار ابن حزم، بيروت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت