فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 170

وأول ما ينعكس من مظاهر العقاب الأخروي على الفرد هو تربية الشعور الحقيقي بالمسؤولية، وهذا الإيمان بالعقاب الأخروي هو الدافع الحقيقي الذي يكون وراء الشعور بالمسؤولية، ولا يمكن أن يتحقق هذا الشعور بالمسؤولية بدون هذا الإيمان، ولذلك لاحظنا أن ميزة التشريع الإسلامي تكمن في تقبيل الناس له، ودون أي تهرب أو احتيال على هذا القانون الإلهي، ما دام الملائكة الحفظة يكتبون، كما قال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [1] وقال تعالى: {كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [2] ، وما دام يوم الحساب والجزاء ينتظرنا بالمرصاد، فكل من ربي تربية إسلامية يشعر بتمام المسؤولية عن كل أعماله، خوفا من الوقوف للحساب بين يدي الخالق في يوم تشخص فيه الأبصار [3] .

إن من أخطر الأبواب التي يدخل منها الشيطان على العبد، طول الأمل، والأماني الخادعة التي تجعل صاحبها في غفلة شديدة عن الآخرة، واغترار بزينة الحياة الدنيا، وتضييع ساعات العمر النفيسة في اللهث وراءها حتى يأتي الأجل الذي يقطع هذه الآمال، وتذهب النفس حسرات على ما فرطت في عمرها، وأضاعت من أوقاتها. كما قال تعالى: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} [4] ، ولكن اليقين بالرجوع إلى الله عز وجل والتذكر الدائم ليوم الحساب، يومئذ لا يخفى شيئ من نوايا البشر وأعمالهم، حيث تشهد عليهم أيديهم وأرجلهم وينشغل كل امرئ بنفسه {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [5] ، هو العلاج الناجع لطول الأمل وضياع الأوقات.

ولما كانت الغفلة قد استولت على الكثيرين في هذا الزمان فهم غارقون في أنواع الملذات والالتهاء والألعاب، والمنكرات وإضافة الأوقات كان لا بد من تهذيب النفوس وترقيتها لتشاهد ما أعد الله الواحد القهار للكافرين، إنها تطرد الغفلة، كما قال تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [6] ، وقال تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا

(1) سورة ق. آية 18.

(2) سورة الانفطار. 11، 12.

(3) راجع أصول التربية الإسلامية وأساليبها، عبد الرحمن النحلاوي، ص: 90، ط: الأولى 1979 م، دار الفكر، بدمشق.

(4) سورة الزمر. آية 56.

(5) سورة عبس. آية 34 - 37.

(6) سورة مريم. آية 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت