فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 170

«والإعتقاد في عدل الجزاء في الدار الآخرة، وفي ضخامة العوض عما يفوت ونفاسته؛ استعدت النفس للبذل في سبيل الحق والخير والصلاح الذي تعلم أنه من أمر الله، وأنه مناط العوض والجزاء، وصلح خلق الفرد واستقام سلوكه - متى استيقن من الآخر كما هي في التصور الاسلامي - وصلحت الأوضاع والأنظمة، التي لا يتركها الأفراد تسوء وتنحرف، وهم يعلمون أن سكوتهم على فسادها لا يحرمهم صلاح الحياة الدنيا وحدها وخيراتها؛ ولكنه يحرمهم كذلك العوض في الآخرة! فيخسرون الدنيا والآخرة [1] .

إن مجتمعًا يسود بين أهله الإيمان بالله تعالى واليقين بالآخرة والجزاء الحسن في الجنة، لا شك أنه مجتمع تسوده المحبة ويعمه السلام؛ لأن تعظيم الله تعالى سيجعل هذه النفوس لا ترضى بغير شرع الله تعالى بديلًا، ولا تقبل الاستسلام إلا لحكمه، وهذا بدوره سيضفي الأمن والأمان على مثل هذه المجتمعات، لأن أهلها يخافون الله ويخافون يوم الفصل والجزاء، ويخامون من حرمان الجنة، وما أعد الله تعالى لهم فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، إذًا لفلا تحاكم إلا لشرع الله، اقتضاء بقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [2] ، ولا تعامل إلا بأخلاق الإسلام الفاضلة، فلا خيانة ولا غش ولا ظلم، ولا يعني هذا أنه لا يوجد في المجتمعات المسلمة من يظلم أو يخون أو يغش، فهذا لم يسلم منه عصر النبوة ولا الخلافة الراشدة، لكن هذه المعاصي تبقى فردية، يؤدّب أفرادها بحكم الله تعالى وحدوده، إذا لم يردعهم وازع الدين والخوف من الله، والحالات الفردية تلك ليست عامة، أما عندما يقل الوازع الديني والخوف من الآخرة، ويكون التحاكم إلى أهواء البشر وحكمهم فهذا هو البلاء العظيم والفساد الكبير، حيث تداس القيم والحرمات، ويأكل القوي الضعيف، وبالتالي، لا يأمن الناس على أديانهم ولا أنفسهم ولا أموالهم ولا أعراضهم، وكفى بذلك سببًا في عدم الأمن والاستقرار، وانتشار الخوف، واختلال حياة الناس.

إن التصور البديع للجنان والإعتقاد الجازم له أثر كبير في حياة المجتمع الإسلامي، ولأهمية هذا الركن من أركان الإيمان نجد أن السياق القرآن يقرن كثيرًا بين الآيات التي تتحدث عن الإيمان بالله والآيات التي تتحدث عن اليوم الآخر، قال تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَقَامَ

(1) اليوم الآخر في ظلال القرآن، أحمد فائز، ص: 5، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت 1983 م.

(2) سورة المائدة. آية 45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت