الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [1] ، وقال تعالى: {ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [2] . لذلك إن التصور البديع للجنان مهم في تنهضة الأمة، فعندما تحي صورة الجنان في نفوس أفراد الأمة يندفعون لمرضاة الله تعالى ويقدمون الغالي والنفيس ويتخلصون من الوهن وكراهة الموت وتتفجر في نفوسهم طاقات هائلة تمدهم بعزيمة وإصرار ومثابرة على إعزاز دين الله.
«ولعل من حكمة الإهتمام البالغ بالتذكير باليوم الآخر، كثره نسيان العباد له وغفلتهم عنه، بسبب تثاقلهم إلى الأرض، وحبهم لمتاع الدنيا، فيكون الإيمان به وبما فيه من نعيم مقيم مخففا من الغلو في حب الدنيا، فيعلم العباد أن شهوات الدنيا كلها لا تستحق منهم الطلب والجهد التنافس فيها، وأن الذي يستحق ذلك منهم إنما هو ما أعد الله لهم في ذلك اليوم العظيم» [3] ، كما قال تعالى {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [4] .
لذلك إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يربي أصحابه على السعي لمرضات الله تعالى حتى يدخلهم جناته العظيمة، فكان لهم يصف لهم الجنات من خلال المنهج القرآني، حتى لكأن الصحابي يرأى الجنة معروضة أمامه في تلك اللحظة، وينفعل بها كأنه يراها في عالم العيان بالفعل، وليست أمرًا يتصور حدوثه في المستقبل، وتصبح الآخرة كأنها الحاضر الذي يعيشه الإنسان، ويصبح الحاضر الذي يعيشه بالفعل كأنه ماض سحيق تفصله عن الإنسان آماد، وأبعاد [5] .
أن المسلم العامل لدين الله لا يندم على كل عمل عمله ولو لم ير ثمرة عمله في الدنيا. إن الذين يريدون إقامة منهج الله في الأرض، ويشتغلون بالدعوة إلى الله والتربية على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، هؤلاء الناس الذين اصطفاهم الله من بين البشر للقيام بهذه المهمة، قد لا يأتي عليهم اليوم الذين يرون يه ثمرات أعمالهم، أو يرون فيه قيام المنهج الصحيح كما أراده رب العالمين على الأرض، وقد لا يأتي عليهم اليوم الذي يرون فيه سراج الدين وهاجًا، وقد لا يأتي عليهم اليوم الذي يرون الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، ولكنهم بسبب إيمانهم أن هذه الأعمال لن تضيع، وأن أجرها عند رب العالمين فهم لذلك يعملون مع طول الليل الحالك، ولو لم يروا بزوغ الفجر؛ اقتضاء بقوله تعالى: اقتضاء
(1) سورة التوبة. آية 18.
(2) سورة الطلاق. آية 2.
(3) الإيمان. أركانه، حقيقته، د. محمد نعيم ياسين، ص: 60.
(4) سورة التوبة. آية 41.
(5) دراسات القرآ، ية، محمد قطب، ص: 81، ط: الخامسة 1408 ه، 1988 م، دار الشروق.