عوامل الاضطراب وأسباب الهلاك، لقد صور النبي صلى الله عليه وسلم أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع في صورة نجاة سفينة أو أوشكت على الهلاك الحتم بسبب أخذ بعض ركابها العاملين على أيدي بعض العابثين بالحدود العامة من أجل مصلحة ذاتية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا» [1] .
إن هذه الصورة توحي بأن القيام بهذا الواجب جميع أفراد المجتمع، وأن كل مسلم مسؤول عمن حوله من أبناء المجتمع.
إن الإخاء والمحبة من دعائم أساسية في المجتمع الإسلامي، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} وقد أثبت التاريخ والواقع أن الإيمان من أقوى الرباط وأن لا عقيدة أقوى من الإسلام، وهذه الأخوة الإيمانية رابطة عامة تربط المسلم بأخيه المسلم، وأنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى وأدنى مراتب هذه الإخاء سلامة الصدر من الحسد والبغضاء، كما قال تعالى في محكم تنزيله: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [2] . وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [3] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تباغضوا وكونا عباد الله إخوانا» [4] . وكذلك مما يجب علينا تجاه المجتمع الوفاء بالعهود، وأداء الأمانات، وتنظيم العقود وكتابتها، والادلاء بالشهادة الصادقة، والإصلاح بين المتخاصمين، والشفاعة الحسنة، والتراحم والإحسان واستثمار الأموال في سبيل الخير والعفو وغير ذلك من المسؤوليات، ولا يستقيم أمر المجتمع، ولا تتسق شؤونه إلا إذا قام كل فرد من الأفراد بهذه المسؤوليات تجاه المجتمع [5] .
(1) صحيح البخاري، كتاب الشركة، باب هل يقر في القسمة والاستهام فيه، حديث رقم: 2493، ص: 403.
(2) سورة الحشر. آية 10.
(3) سورة الحجرات. آية 12.
(4) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر، حديث رقم: 6064، ص: 1059.
(5) أنظر موسوعة نظرة النعيم، ص: 3406.