يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [1] ، لذلك يكثر القرآن الكريم من ذكر يوم القيامة والنار، حتى لا تكاد تمر على سورة من سور القرآن إلا وتجد فيها حديثا تفصيل ذلك اليوم وما فيها من الأحداث والأحوال، بأساليب كثيرة متنوعة وذلك لطرد الغفلة وتقصير الأمل.
إن الإيمان بما في الجنة والنار هو المحرك للإنسان في عمل الخيرات، وفي الانتهاء عن المنكرات. وينشئ من هذه المظاهر العقاب في الآخرة وحدة وتماسكًا بين أفراده، فالمجتمع العابد لا يكون إفراده سائبين مبعثرين لا شأن لأحدهم بما يجري للآخر من أحوال وظروف، بل هم يرتبطون برباط معين متين هو رباط الأخوة التي عقدها الله تعالى بينهم، لذلك نرى بأن الله تعالى ربط أمر طعام إطعام المسكين بالإيمان بالآخرة، قال تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [2] فالأمر عندنا أسمى من أن يكون في الجهات الأخلاقية، وأسمى من أن يكون أوامر قسرية تنهب الأغنياء لتعغطي الفقراء، إنما الأمر عندنا مرتبط بالآخرة، ومرتبط بأصل الإيمان، قال تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} [3] ، وانظروا كيف يحض هذا الدين على المسكين ويربطه بالرحمة؛ فيكون إطعام المسكين مما يحض عليه من الرحمة، كما قال تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} [4] ، وقس على هذا بقية الأمور بين أفراد المجتمع، ومن هنا ينشئ التكافل في المجتمع ويعم الخبر.
نظرًا لكثرة الظلم والشحناء بين المسلمين في عصرنا الحاضر، أنه لا شيء يمنع النفس من ظلم غيرها في نفس أو مال أو عرض، كاليقين بالرجوع إلى الله عز وجل،. وإعطاء كل ذي حق حقه، وإنصاف المظلوم ممن ظلمه، فإذا تذكر العبد هذا الموقف العصيب الرهيب، وأنه لا يضيع عند الله شيء، كما قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [5] وقوله تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [6] ، إذا تذكر العبد هذه
(1) سورة الأنبياء. آية 1، 2.
(2) سورة الماعون. آية 1 - 3.
(3) سورة المدثر. آية 42 - 44.
(4) سورة البلد. آية 11 - 14.
(5) سورة الأنبياء. آية 47.
(6) سورة طه. آية 111.