فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 170

قال أبي سعود: أخبر عنهم بأنهم لا يذوقون فيها شيئا ما من يرد وروح ينفس عنهم حر النار، ولا شراب يسكن من عطشهم ولكن يذوقون فيها حميما وغساقا. والغساق ما يسيل من صديدهم [1] .

ووصف الله تعالى هذا الطعام أيضًا بقوله تعالى: {وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (37) فَلَا} [2] ، قال القرطبي: والغسلين هو صديد أهل النار السائل من جروحهم وفروجهم [3] .

فكل ما ذكره الله من أوصاف شراب أهل النار يفيد أنه حار شديد الحرارة تذوب منه الأمعاء وتفتت منه الأعضاء فقد وصفه الله تعالى بقوله: {تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ} [4] . قال الإمام الشوكاني: والمراد بالعين الآنية: المتناهية في الحر. ثم ذكر قول الواحدي بأنه قال: قال المفسرون لو وقعت منها نطفة على جبال الدنيا لذابت [5] .

فهذا هو طعامهم إذا جاعوا، فإذا أ: لوا منها التهبت أكبادهم عطشًا، وإن يستغيثوا يغاثو بماء كالمهل يشي وجوههم حتى تتساقط لحومها، فإذا شربوه على كره وضرورة قطع أمعاءهم، ومزَّق جلودهم، وهذا شرابهم كالمهل في حرارته، وكالصديد في نتنه وخبثه، يضطر شاربه إلى شربه اضطرارًا، يتجرعه ولا يكاد يسيغه، ويأتيه الموت من كل مكان، وما هو بميت، ومن ورائه عذاب غليظ.

إن أكرم ما في الإنسان وجهه، ولذلك نهانا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ضرب الوجه، ومن إهانة الله لأهل النار أنهم يحشرون في يوم القيامة على وجوههم عميًا وصما وبكمًا {وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [6] ، ويلقون في النار على وجوههم {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [7] .

وتلفح النار وجوههم وتغشاها أبدًا، لا يجدون حائلا بينهم وبينها {لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ} [8] ، {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ} [9] ،

(1) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، لأبي سعود، 9/ 91.

(2) سورة الحاقة. آية 36، 37.

(3) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، 18/ 273.

(4) سورة الغاشية. آية 5.

(5) فتح القدير، لإمام الشوكاني، ص: 1893.

(6) سورة الإسراء. آية 97.

(7) سورة النمل. آية 90.

(8) سورة الأنبياء. آية 39.

(9) سورة المؤمنون. آية 104.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت