فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 170

ليوفقهم للإسلام ولكنه يخذلهم عنه إلى طريق جهنم وهو الكفر يعني: حتى يكفروا بالله ورسله فيدخلوا جهنم {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} يقول: مقيمين فيها أبدا، {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [1] .

وكل هذا يدل على عدم هدايتهم في الدنيا إلى الصواب من الأفعال، فيكون هذا سببًا لدخولهم جهنم يوم القيامة. وذلك لأن الله تعالى يعاقب الكفار في الدنيا بالختم والطبع على قلوبهم والصرف عن تدبر آياته، وكل هذه العقوبات في الحقيقة إبعاد لأصحابها عن الإهتداء إلى طريق الجنة.

هذه العقوبة وردت في عدة مواضع من القرآن الكريم، وجاءت مقترنة بالدنيا في قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [2] ، يقول الراغب: وحبط العمل على أضرب:

الأول: أن تكون الأعمال دنيوية فلا تغني يوم القيامة غناء، ومن هذا قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [3] .

الثاني: أن تكون الأعمال أخروية، ولكن صاحبها لم يقصد بها وجه الله. كما روي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها؟ قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها؟ قال تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعرفه ننعمه فعرفها قال فما عملت فيها؟ قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار» [4] .

الثالث: أن تكون أعمالا صالحة يكون بإزائها سيئات تزيد عليها. وهذا هو المشار إليه بخفة الميزان [5] .

قال الإمام الطبري: {الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} يعني: بطلت أعمالهم {فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ} فأما في الدنيا فلم ينالوا بها محمدة ولا ثناء من الناس لأنهم كانوا على ضلال وباطل ولم يرفع الله لهم بها ذكرا بل

(1) انظر جامع البيان عن تأويل أي القرآن، لإبن جرير الطبري، 6/ 169، ط: دار الفكر، 1408، 1988.

(2) سورة آل عمران. آية 22.

(3) سورة الفرقان. آية 23.

(4) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، ص: 152، رقم الحديث: 852.

(5) المفردات في غرير القرآن، للراغب الأصفهاني، ص: 113.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت