لذا أذكر فيما يلي أولًا بأن الإنسان مهمته في الأرض الخلافة والعبادة والأمانة في ضوء الآيات ثم أذكر بأن الله تعالى أعانه على هذه المسؤولية بالتكريم، وهذه الأمور هي مناط المسؤولية.
«وردت آيات عدة في القرآن الكريم توضح مركز الإنسان في هذا الكون من قبل مسؤوليته ودوره. وهذه الآيات وإن اختلفت في ألفاظها ومناسبتها، فإنها تلتقي جميعا عند ربط دور الإنسان به وقياسه بمدى تحقيقه وفق منهج الله تعالى» [1] . قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [2] .
قال البغوي [3] : «والمراد بالخليفة ها هنا آدم سماه لأنه خلف الجن أي جاء بعدهم وقيل لأنه يخلفه غيره والصحيح أنه خليفة الله في أرضه لإقامة أحكامه وتنفيذ وصاياه» [4] .
وقال ابن كثير: يخبر تعالى بامتنانه على بني آدم بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم بقوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ} أي واذكر يا محمد صلى الله عليه وسلم إذا قال ربك للملائكة واقصص على قومك ذلك {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} أي قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل. كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ} [5] وقال: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ} [6] وقال: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ} [7] ، وليس المراد ههنا بالخليفة آدم عليه السلام فقط كما يقوله طائفة من المفسرين إذ لو كان ذلك لما حسن قول الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} فإنهم أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص أو بما فهموه من الطبيعة البشرية فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من
(1) نفس المرجع، ص: 103.
(2) سورة البقرة، آية 30.
(3) هو أبو محمد حسين أبن مسعود بن محمد المعروف بالفراء البغوي الفقيه الشافعي كان محدثا ومفسرا الملقب بمحيي الدين وركن الدين وظهير الدين ومؤلفات كثيرة منها: معالم التنزيل في التفسير وشرح السنة في الحديث. انظر: البدية والنهاية لابن كثير 12/ 193 ووفيات الأعيان 12/ 136 - 137.
(4) معالم التنزيل، الحسين بن مسعود الفراء البغوي، 1/ 60، دار الكتب العلمية، بيروت. الطبعة الأولى 1425 هـ، 1995 م.
(5) سورة الأنعام، آية 165.
(6) سورة النمل، آية 62.
(7) سورة الزخرف. آية 60.