فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 170

{صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [1] أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم ويردعهم عن المحارم والمآثم.

وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله ولا على وجه الحسد لبني آدم كما قد يتوهمه بعض المفسرين وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونهم بالقول أي لا يسألونه شيئا لم يأذن لهم فيه وههنا لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقا وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها فقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} ، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك يقولون: يا ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك أي نصلي لك ولا يصدر منا شيء من ذلك وهل وقع الاقتصار علينا؟ قال الله تعالى مجيبا لهم عن السؤال: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أي إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم فإني سأجعل فيهم الأنبياء وأرسل فيهم الرسل ويوجد الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار والمقربون والعلماء العاملون والخاشعون والمحبون له تبارك وتعالى المتبعون رسله صلوات الله وسلامه عليهم [2] .

وقد ذكر الشيخ الشنقيطي [3] في تفسير هذه الآية قولين:

القول الأول: أن المراد بالخيفة أبونا آدم عليه الصلاة والسلام، لأنه خليفة الله في أرضه في تنفيذ أوامره. وقيل: لأنه صار خلفًا من الجن الذين كانوا يسكنون الأرض بله، وعليه فالخليفة: فعليه بمعنى فاعل وقل: لأنه إذا مات يخلفه من بعده، وعليه فهو من فعيلة بمعنى مفعول. وكون الخليفة آدم عليه السلام هو الظاهر المتبادر من سياق الآية.

القول الثاني: أن قوله {خَلِيفَةً} مفرد أريد به الجمع، أي خلائف، وهو اختيار ابن كثير. وإذا كانت هذه الآية الكريمة تحتمل الوجهين المذكورين فاعلم أنه قد دلت آيات أخر على الوجه الثاني، وهو أن المراد بالخليفة: الخلائف من آدم وبنيه لا آدم نفسه وحده. كقوله تعالى: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} .

(1) سورة الحجر. آية 33.

(2) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص: 109، 110.

(3) هو محمد الأمين بن المختار بن عبد القادر بن محمد بن أحمد نوح بن محمد بن سيدي أحمد بن المختار الشنقيطي وينتهي نسبه إلى قبيلة حمير العربية، ولد 1325 هـ في شنقيط وهو العالم الفاضل من دولة موريتانيا وله مؤلفات كثيرة منها: آداب البحث والمناظرة، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن. انظر: مقدمة الأضواء لعطية محمد سالم 1/ 19 - 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت