فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 170

وسمعهم وأبصارهم، وكذلك الغشاوة والميل والبعد عن الحق، كل ذلك كان أثرًا طبيعيًا لما اكتسبوا واقترفوا من الضلال والعتو والاستكبار عن الحق.

وقد يكون العقاب في الدنيا للأمم المكذبة لرسلها وعن أتباع أمر ربها، بتحريم طيبات كانت حلالًا لهم قبل ظلمهم وبغيهم، كما حدث ذلك بالنسبة لليهود. بقول الله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [1] ، وقال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [2] . وهذا التحريم كان عقابا لليهود على طغيانهم وبغيهم وظلمهم ومجاوزتهم حدود الله تعالى.

وإن هذا العقاب وإن كان خاصًا باليهود لكنه من الممكن من أن يقع على كل من هاد عن طريق الله تعالى واتبع غير شرعه، فإن الإنسان إذا أدار ظهره لأحكام الله تعالى وانتهج نهجًا آخر، فإنه بذلك حرم ما أحل الله له وفي هذا أشد عقابًا يلحظه من استنار قلبه بنور الإيمان واستقام نهجه على طريق الرحمن.

ويتمثل هذا العقاب الدنيوي في عدم الإهتداء الظالمين إلى الحق كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [3] ، قال الإمام الطبري في معنى هذه الآية: «إن الذين جحدوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا بالله بجحود ذلك وظلموا بمقامهم على الكفر على علم منهم بظلمهم عباد الله، وحسدًا للعرب، وبغيا على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} يعني: لم يكن الله ليعفو عن ذنوبهم بتركه عقوبتهم عليها ولكنه يفضحهم بها بعقوبته إياهم عليها {وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا} يقول الإمام: ولم يكن الله تعالى ذكره ليهدي هؤلاء الذين كفروا وظلموا الذين وصفنا صفتهم فيوفقهم لطريق من الطرق التي ينالون بها ثواب الله ويصلون بلزومهم إياه إلى الجنة ولكنه يخذلهم عن ذلك حتى يسلكوا طريق جهنم وإنما كنى بذكر الطريق عن الدين وإنما معنى الكلام: لم يكن الله

(1) سورة النساء. آية 160، 161.

(2) سورة الأنعام. آية 146.

(3) سورة النساء. آية 168، 169.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت