لقد كرم الله تعالى الإنسان وأعلى من قدره وشأنه حتى وضعه على قمة الكائنات التي خلقها في هذه الحياة يقول الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [1] ، ومن ثم فقد غلظ واشتد في عقوبته من يتعدى على نفس الإنسان واعتبر أن من قتل النفس الواحدة بمثابة قتل الناس جميعًا، وأن إحياء النفس الواحدة بمثابة إحياء الناس جميعا. يقول الله تعالى:
{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} [2] ، وفي هذا إشارة إلى عظيم جريمة القتل والإعتداء على الغير، فإنه إعتداء على حق الحياة المقدسة، وهو حق ثابت لكل الناس مما يجعل الإعتداء على النفس البشرية من أخطر الجرائم وأبشع الجنايات، ولذلك تكرر النهي في القرآن الكريم عن القتل. قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [3] ، وقال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [4] .
ولقد جعل الله تعالى عقوبة القاتل المتعمد أو المعتدي على غيره من بني الإنسان بقتل أو جرح القصاص قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [5] ، فالله تعالى قد فرض علينا العدل في القصاص فالقاتل يقتل قصاصًا عقوبة بالمثل لأن مادة القصاص تدل على التساوي والتعادل والتماثل، وفي شرع القصاص، وهو قتل القاتل حكمة جليلة وسر عظيم لأن فيه صيانة المجتمع من الفساد والتدهور. وذلك أن القاتل إذا علم أنه يقتل إذا اقترف هذا العمل الشنيع امتنع عن القتل وفي امتناعه حياة لنفسه وحياة للمقتول وحياة لجميع الخلق، ولقد بن الله تعالى حكمة مشروعية القصاص بقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [6] ، كما شرع الله تعالى عقوبة الاعتداء على الأطراف والجوارح بقوله تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ
(1) سورة الإسراء. آية 70.
(2) سورة المائدة. آية 32.
(3) سورة الأنعام. آية 151.
(4) سورة الإسراء. آية 33.
(5) سورة البقرة. آية 178.
(6) سورة البقرة. آية 179.