فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 170

المواقف واتعظ بهذه الآيات، وأيقن بتحققها فلا شك أن ذلك سيمنعه من التهاون في حقوق الخلق، والحذر من ظلمهم في دم أو مال أو عرض، خاصة وأن حقوق العباد مبنية على المشاحة والحرص على استيفاء الحق من الخصم، وبالذات في يوم الهول الأعظم الذي يتمنى العبد فيه أن يكون له مظلمة عند أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، فضلًا عن غيرهم من الأباعد، ومعلوم أن التقاضي هنالك ليس بالدينار والدرهم ولكن بالحسنات والسيئات.

فياليتنا نتذكر دائمًا يوم الفصل العظيم، يوم يفصل الحكم العدل بين الناس، ويقضي بين الخصماء بحكمه وهو أحكم الحاكمين، ليتنا لا نغفل عن هذا المشهد العظيم، حتى لا يجور بعضنا على بعض، ولا يأكل بعضنا لحوم بعض، ولا نتكلم إلا بعلم وعدل، إنه لا شيء يمنع من ذلك كله إلا الخوف من الله عز وجل وخوف الوقوف بين يديه، واليقين الحق بأن ذلك كائن في يوم لا ريب فيه؛ قال تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) } [1] .

إن من أهم الآثار المترتبة للعقوبات الأخروية على المجتمع هي علاج مرتكبي المحرمات. نحن نرى في عصرنا الحاضر غرق الناس بالشهوات والمحرمات، انتهكت المحرمات والأعراض، وعمت المنكرات، إذًا ما هو العلاج الإيماني للذين يقعون في الفواحش والرذائل، والتطفيف في المكيال والميزان، والغش والسرقة، والغصب، وأكل أموال الناس بالباطل، ومنع الزكاة، وترك الصلوات، وعدم إنكار المنكر، وترك معالي الأمور والطاعات وغير ذلك؟.

والجواب أن المتأمل في القرآن الكريم يرى بأن الله تعالى عالج هذه المحرمات بربطها بعقوبات في النار، فنرى أن الله تعالى ربط الشرك بالخلود في النار في قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [2] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار» [3] .

وقال عن الربا: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [4] ، وكما قال عن الشرك

(1) سورة الزمر. آية 30، 31.

(2) سورة المائدة. آية 72.

(3) رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، رقم الحديث: 1238، ص: 198.

(4) سورة البقرة. 275.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت