فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 170

المبحث الثاني: أثر الجزاء الأخروي على الفرد والمجتمع:

ركز القرآن المكي على اليوم الآخر غاية التركيز، فقل أن توجد سورة مكية لم يذكر فيها بعض أحوال يوم القيامة وأحوال المنعمين في الجنة ومآلهم فيها، ومظاهر الثواب وكيفية حشر الناس ومحاسبتهم حتى لكأن الإنسان ينظر إلى الجنة والنار رأي العين، لكننا نركز في هذا المبحث على مظاهر الثواب للمؤمنين في الآخرة، وقد جاءت آيات كثيرة مبينة وواصفة للجنة، وأن لها أبوابًا، وفيها درجات، وتجري من تحتها الأنهار، وفيها عيون، وقصور وخيام وفيها أشجار متنوعة، كسدرة المنتهى، وشجرة طوبى، وتحدث القرآن عن نعيم أهلها، وطعامهم وشرابهم، وخمرهم ولباسهم وحليهم وفرشهم وخدمهم، وأحاديث نساءهم وعن أفضل ما يعطى أهل الجنة وغير ذلك من المظاهر، حتى لكأن الإنسان ينظر إلى الجنة كأنها معروضة أمامه، لذلك إن للإيمان بالآخرة وما فيها من نعيم مقيم له آثار عظيمة في حياة الإنسان.

ومن أهم ما يترتب بهذا الإيمان هو توجيه الإنسان وانضباطه والتزامه بالعمل الصالح وتقوى الله تعالى، ذلك أن تصرفات البشر إذا قامت على خشية الله تعالى والتطلع إليه والطمع في رضوانه، فإن ذلك له أشد الأشر في توجيه الإنسان إلى فعل الخير واجتناب الشر، بل هو ميزان الذي يقف عليه الإنسان ليزن أعماله [1] ، قال تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) } [2] .

إذًا الإيمان باليوم الآخر هو الذي يهيء الإهتمامات، ويجعل التعلق بالدنيا أمرًا لا مجال له عندما يعلم الإنسان أن هذا الدنيا زائلة، وأن الآخرة مقبلة، وأن هذه الأيام والأنفاس ستنقضي لا محالة، وأنه سيقدم على الله، فنتيجة للإيمان بهذا اليوم، وبأن هناك وجنةً وجزاءً حسنًا، تنشأ سلوكيات لم تكن تنشأ لولا الإيمان بالجنة وما فيها من نعيم مقيم.

إن من آمن بالبعث قد علم أن الله قد أعد للمؤمنين دارا يتحقق فيها رضاءه عنهم في صورة نعيم ما بعده نعيم، وإن أهل هذا الإيمان في حالة من الشوق إلى ذلك النعيم لا يصرفهم عن ذلك شيء، كما وصف الله تعالى إبراهيم عليه السلام وبنيه بقوله: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ

(1) مجتمعنا المعاصر. ص: 43. المرجع السابق.

(2) سورة الزلزلة. آية 7، 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت