يقول الرازي: «وفي تكرير أولئك تنبيه على أولئك على أنهم كما ثبت لهم الاختصاص بالفلاح أيضا فقد تميزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين» [1] .
كما أال الله عنهم الخوف والحزن في الدنيا كما قال تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [2] ، وقال تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [3] ، فالمهتدون بهداية الله تعالى لا يخافون مما هو آت ولا يحزنون على ما فات لأن اتباع الهدى يسهل عليهم طريق اكتساب الخيرات ويعدهم لسعادة الدنيا والآخرة، ومن كانت هذه وجهته يسهل عليه كل ما يسقبله ويهون عليه كل ما أصابه أو فقده.
ويتمثل هذا الجزاء الدنيوي لأهل الإيمان بالتمكين في الأرض وجعلهم أئمة لأهل الاستقامة على دين الله قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [4] . يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: «هذا وعد الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض أي أئمة الناس والولاة عليهم وبهم تصلح البلاد وتخضع لهم العباد،،ليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنا وحكما فيهم، وقد فعله تبارك وتعالى وله الحمد والمنة» [5] .
نشاهد في كثير من الآيات القرآنية بأن الله تعالى أعز المؤمنين ونصرهم وجعلهم أئمة الناس ونلحظ أن هذه سنة الله عز وجل في الخلق حيث يمكن سبحانه للأمة الصالحة الاستخلاف والزعامة كما قال تعالى عن موسى عليه السلام حيث قال لقومه: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [6] ، وقال تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [7] ، وقال تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا
(1) التفسير الكبير، لإمام الرازي، 1/ 32، ط: الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت 1411 هـ، 1990.
(2) سورة البقرة. آية 38.
(3) سورة البقرة. آية 112.
(4) سورة النور. آية 55.
(5) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ص: 1342، 1343.
(6) سورة الأعراف. آية 129.
(7) سورة القصص. آية 5.