بقوله تعالى: {مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [1] ، لأنهم يعلمون أين الفجر الحقيقي، ولأنهم يعلمون أن كل هذه الأعمال لن تذهب سدىً أبدًا، وأنهم سيجزون بها عند الله الجزاء الأوفى؛ فيهون على هذا المسلم الصادق طول الطريق والمشقات والعقبات المجودة في هذا الطريق؛ لأنه يعلم متى وأين سيلقى هذا الجزاء عند رب العالمين. ولا يقلق على الأجر وإن كان العمل صغيرًا، فهو يعلم أن هناك رجلًا دخل الجنة بسبب جذع أزاحه من الطريق كان يؤذي المسلمين، يعلم هذا فهو لا يتهاون بأي عمل: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» [2] ، وعندما يعلم الإنسان أنه حتى شق التمرة يأخذ عليها أجرا، فإنه لن يتهاون بالأعمال الصالحة ولو كانت قليلة. «والاعتقاد بالآخرة يؤدي دوره الأساسي في إفاضة السلام على روح المؤمن وعالمه ونفي القلق والسخط والقنوط، إن الحساب الختامي ليس في هذه الأرض، الجزاء الأوفى ليس في هذه العاجلة، إن الحساب الختامي هناك، والعدالة المطلقة مضمونة في هذا الحساب. فلا ندم على الخير والجهاد في سبيله إذا لم يتحقق في الأرض أو لم يلق جزاؤه، ولا قلق على الأجر إذا لم يوف في هذه العاجلة بمقاييس الناس، فسوف يوفاه بميزان الله [3] .
إن الموقن بلقاء الله عز وجل يوم الفزع الأكبر، لا تلقاه إلا حريصًا على أعماله، خائفًا من كل ما يحبطها من أنواع الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر، حيث إن الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال، فتصير هباءً منثورًا، والشرك الأصغر يحبط العمل الذي حصل فيه هذا النوع من الشرك كيسير الرياء، والعجب، والمن، وطلب الجاه والشرف في الدنيا، فكلما كان العبد موقتًا بلقاء ربه كان منه الحرص الشديد على ألا تضيع منه أعماله الصالحة في موقف القيامة، يوم أن يكون في أشد الأوقات حاجة إليها؛ ولذلك فهو يجاهد نفسه بحماية أعماله في الدنيا بالإخلاص فيها لله تعالى لعل الله عز وجل أن ينفعه بها، كمنا أن اليقين بالرجوع إلى الله عز وجل يجعل العبد في أعماله كلها متبعًا للرسول صلى الله عليه وسلم غير مبتدع ولا مبدل؛ لأن الله عز وجل لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا صوابًا، قال تعالى:
{) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [4] .
(1) سورة يوسف. آية 90.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب اتقوا النار ولو بشق تمرة والقليل من الصدقة، رقم الحديث: 1417، ص: 229.
(3) اليوم الآخر في ظلال القرآن أحمد فائز، ص: 17.
(4) سورة الكهف. آية 110.