لذا الله تعالى جعله خليفة، وفضله على سائر المخلوقات، وسخر الله السموات والأرض، واختار منه الأنبياء والمرسلين واصطفاهم واجتباهم، وأمر الملائكة بالسجود لآدم احترامًا وتقديرًا واعترافًا بفضله وتحيةً له، وخلقه في أحسن تقويم وسخر له كل شيء حتى الملائكة جعلهم لخدمته، وكرمه في صورة متعددة ومشاهد كثيرة.
وكل شيء مخلوق في هذا العالم إنما هو من أجل الإنسان، وكل هذه المظاهر التكريم هي مناط المسؤولية، ليقوم الإنسان برعاية ما نيط به من تكليف ومسؤولية، فالإنسان مسؤول أولًا ثم مكرم من أجل مسؤوليته. كما هو مفهوم القرآن الكريم من بدايته إلى نهايته فيجدر بنا أن نتعرف على بعض هذه المظاهر حتى يتبين لنا مدى الإستعدادات والخصائص التي منحها الله تعالى للإنسان حتى يصير أهلا لتحمل هذه المسؤولية والقيام بها، وقد تناول القرآن الكريم هذا التكريم في مناسبات عدة، وبأساليب متنوعة، وفيما يلي نذكر أهم مظاهر التكريم التي هي مناط المسؤولية.
كرم الله تعالى الإنسان بتسخير الكون له، وتسخير ما فيها لمنفعته وتمكينه من دوره الذي خلقه من أجله، حيث سخر له ما هو أكبر منه خلقًا كالسموات والأرضين، وأعظم منه جسمًا كالأنعام، وغير هذا كثير ومختلف. وأن كل ما أوجد في هذا العالم فإنما أوجده لأجل الإنسان. كما قال تعالى {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} [1] يقول ابن كثير:
يعدد تعالى نعمه على خلقه بأن خلق لهم السموات سقفا محفوظا والأرض فرشا {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى} [2] ، ما بين ثمار وزروع مختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح والمنافع وسخر الفلك بأن جعلها طافية على تيار ماء البحر تجري عليه بأمر الله تعالى وسخر البحر لحملها ليقطع المسافرون بها من إقليم إلى إقليم آخر لجلب ما هنا إلى هناك وما هناك إلى هنا وسخر الأنهار تشق الأرض من قطر إلى قطر رزقا للعباد من شرب وسقي وغير ذلك من أنواع المنافع {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ} [3] أي يسيران لا يفتران ليلا ولا نهارا [4] .
وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [5] .
(1) سورة إبراهيم. آية 32.
(2) سورة طه. آية 53.
(3) سورة إبراهيم. آية 33.
(4) تفسير القرآن العظيم، لإمام ابن كثير، ص: 1036.
(5) سورة الجاثية. آية 13.